الرأي
الولادة‭ ‬المؤجلة‭ ‬للدولة‭ ‬الجزائرية‭ ‬الحديثة

2‭ -‬التأسيس‭ ‬الثاني‭ ‬للحكم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الراشد

حبيب راشدين
  • 6571
  • 9

لأن الدولة الجزائرية الحديثة لم تنشأ فقط مع الاستفتاء على الاستقلال، ولأن ثورة التحرير هي على تواصل مع مقاومة الغزو الفرنسي، فإن البحث عن مرجعية لبناء الدولة الجزائرية الحديثة يبدأ بإعادة قراءة وثيقة بيعة الأمير عبد القادر التي أسست لدولة إسلامية أعادت الصلة‭ ‬مع‭ ‬الحكم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الراشد‭.‬

 

بعد مرور أقل من عامين على سقوط أيالة الجزائر، ومعها سقوط الحكم العثماني في الجزائر على يد القوات الفرنسية الغازية، وتراجع مقاومة سكان الجزائر ومتيجة من قبائل الثعالبة العرب وقبيلة مغراوة الأمازيغية، تداعت مجموعة من القبائل العربية والأمازغية من مختلف مناطق البلاد لعقد شورى حقيقية من أجل اختيار قائد لهم، يتولى قيادة المقاومة، ولأجل ذلك وقع اختيارهم في البداية على الشيخ محيي الدين الحسني شيخ الطريقة القادرية، لمكانته الروحية ومكانة الزاوية القادرية المنتشرة في ربوع البلاد.

 

صناعة‭ ‬القبيلة‭ ‬للقيادة‭ ‬الراشدة

غير أن الشيخ محيي الدين كان له رأي آخر، وربما تدبير سبق التفكير فيه ربما حتى قبل بداية الاحتلال. فقد جاء ترشيحه لولده عبد القادر، ابن الثالثة والعشرين، غير مفاجئ لمن كان قد تابع الرعاية الخاصة التي حضي بها عبد القادر، والذي صحب والده مرتين في رحلتين إلى المشرق، سمحت للفتى، إضافة إلى أداء فريضتي الحج والعمرة، بالتعرف على فقهاء وأعلام المشرق، كما سمحت له إقامته في مصر اللقاء بمحمد علي، مؤسس الدولة المصرية الحديثة، بما يعني أن عبد القادر كان، قبل اختياره أميرا، على إلمام بجانب من أحوال المسلمين، وأنه -كما سنرى من وثيقة البيعة التي هي وثيقة تأسيسية للدولة- لم يكن راض عن أحوال ولاة الأمر في العالم الإسلامي، حتى أنه سوف يلح في الوثيقة على العمل خلاف من سبقه، في إشارة واضحة إلى أحوال دايات الجزائر، وربما أحوال ولاية الأمر عند الجارة المغرب.

‮”‬وثيقة‭ ‬البيعة‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬باختيار‭ ‬أمير‭ ‬لقيادة‭ ‬المقاومة،‭ ‬بل‭ ‬اختيار‭ ‬قائد‭ ‬لبناء‭ ‬دولة،‭ ‬وفق‭ ‬عقد‭ ‬تأسيسي‭ ‬لدولة‭ ‬تدبر‭ ‬أحوال‭ ‬الناس‭ ‬أثناء‭ ‬مقاومة‭ ‬المحتل‭ ‬وبعد‭ ‬رحيله‮”‬

ومن خلال وثيقة البيعة سوف نكتشف أن الأمر لم يكن يتعلق فقط باختيار أمير لقيادة المقاومة، بل اختيار قائد لبناء دولة، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فجاءت الوثيقة في صيغة نص بيعة وعقد تأسيسي لدولة تدبر أحوال الناس أثناء مقاومة المحتل وبعد رحيله، ولأجل ذلك جاء اختيار ومبايعة الأمير عبد القادر مختلفا عن مبايعات لاحقة، تمت لقادة آخرين جاءوا من بعده لمواصلة المقاومة، مثل بومعزة، المقراني وأولاد سيدي الشيخ وآخرين، وكانت سلوك الأمير طوال 15 عاما تؤكد هذا المعنى.

 

فقد سارع إلى بناء عاصمة متنقلة له كانت تسمى الدائرة، تشتمل على جميع أنواع الإدارات المنفذة للسلطات الملكية: من شرطة وقضاء وجباية، تضم أحيانا قرابة عشرين ألف نسمة. كما أنه كان في جميع المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمها مع الفرنسيين يلح على تثبيت مقومات الدولة،‭ ‬كما‭ ‬وضحت‭ ‬الوثيقة‭ ‬إلتزام‭ ‬الدولة‭ ‬الناشئة‭ ‬العمل‭ ‬بكتاب‭ ‬الله‭ ‬وسنة‭ ‬رسوله،‭ ‬ووضحت‭ ‬سلطة‭ ‬وواجبات‭ ‬ولي‭ ‬الأمر،‭ ‬وإليكم‭ ‬النص‭ ‬الكامل‭ ‬لوثيقة‭ ‬البيعة‭: ‬

 

وثيقة‭ ‬البيعة‭ ‬لدولة‭ ‬إسلامية‭ ‬راشدة

“الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.. أما بعد، اعلموا معاشر العرب والبربر أن الإمارة الإسلامية والقيام بشعائر الملة المحمدية قد آل أمرها الآن إلى ناصر الدين، السيد عبد القادر ابن محيي الدين، وجرت مبايعته على ذلك، من العلماء والأشراف والأعيان في معسكر، وصار أميرا لنا ومتكفلا بإقامة الحدود الشرعية، وهو لا يقتفي آثار غيره، لا يحذو حذوهم، ولا يخصص لذاته مصاريف زائدة عن الحاجة كما الغير يفعله، ولا يكلف الرعية شيئا لم تأمر به الشريعة المطهرة، ولا يصرف شيئا إلا بوجه الحق، وقد نشر راية الجهاد وشمر على ساعد الجد لنفع العباد وعمران البلاد، فمن سمع النداء فعليه بالسعي لتقديم الطاعة وأداء البيعة لإمام منكم، فاعلموا ذلك، وبادروا بامتثاله، ولا تشقوا العصا ويذهب بكم الخلاف إلى ما لا خير لكم فيه دنيا وأخرى”

أشك أن يكون أحد من قادة أحزاب الإسلام السياسي، في الجزائر كما في العالم العربي والإسلامي، قد توقف عند نص البيعة هذه، والتي مر عليها المؤرخون مرور الكرام، مع أنها قد شملت مع ما فيها من اقتضاب كل مقومات إعادة بناء الدولة المسلمة الراشدة، ولو عرضت في زمن الخلفاء‭ ‬الراشدين‭ ‬لما‭ ‬اعترض‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬حرف‭ ‬واحد‭ ‬منها‭. ‬

 

طلاق‭ ‬بائن‭ ‬مع‭ ‬حكم‭ ‬الاستبداد

فنص البيعة يحدد من البداية هوية الدولة: هي إمارة إسلامية تقوم على شعائر الملة المحمدية، وأن ولي الأمر فيها قد حضي بالمبايعة بلا إكراه، من العلماء والإشراف والأعيان (تثبيت مبدأ الشورى المنعقد لأهل الحل والعقد) وأن مهمته الأولى: التكفل “بإقامة الحدود الشرعية” (مبدأ العمل بكتاب الله وسنة رسوله) وهو “لا يقتفي آثار غيره، لا يحذو حذوهم” (في إشارة إلى رغبة الأمير في انجاز القطيعة مع من سبقه من الحكام المسلمين حيال تعطيل مبدأ الشورى، أو تعطيل بعض أحكام الشريعة في ما تصل بالعدل والامتناع عن الاستبداد، والحفاظ على أموال المسلمين كما يتضح في الجملة الموالية)، حيث يلتزم بألا يخصص لذاته مصاريف زائدة عن الحاجة كما الغير يفعله، ولا يكلف الرعية شيئا لم تأمر به الشريعة المطهرة، ولا يصرف شيئا إلا بوجه الحق.

وفي‭ ‬الفقرة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تؤسس‭ ‬البيعة‭ ‬لمسار‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬‮”‬نشر‭ ‬راية‭ ‬الجهاد‮”‬‭ ‬لدفع‭ ‬العدوان‭ ‬والاحتلال،‭ ‬وبين‭ ‬واجب‭ ‬رعاية‭ ‬أمور‭ ‬الناس‭ ‬بالتشمير‭ ‬‮”‬على‭ ‬ساعد‭ ‬الجد‭ ‬لنفع‭ ‬العباد‭ ‬وعمران‭ ‬البلاد‮”.‬‭ ‬

 

إحياء‭ ‬ولاية‭ ‬الأمر‭ ‬الراشدة

وأنا أعيد قراءة نص البيعة، رجعت إلى مقدمة الدستور عندنا عسى أن أجد فيها أثرا لهذه البيعة التي تؤسس، ليس فقط لميلاد دولة، بل لبناء دولة مسلمة حديثة، قائمة على أحكام الكتاب والسنة، والعمل بالشورى. وكان يفترض أن يتبناها الدستور كمرجعية، كما كان يفترض على الأحزاب الإسلامية أن تتبنى نص البيعة كمرجع لبناء بديل إسلامي أصيل، وتحتفي به كواحد من أهم انجازات الشعب الجزائري، الذي أعاد إحياء الركن الساقط من مبادئ الحكم الإسلامي، وتشتغل عليه كنواة لدستور الجزائريين، وعلى استمرارية الدولة الجزائرية التي لم يبدأ التأسيس لها‭ ‬مع‭ ‬بيان‭ ‬أول‭ ‬نوفمبر،‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬الاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭.‬

‮”‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬نص‭ ‬البيعة‭ ‬كمرجع‭ ‬لبناء‭ ‬بديل‭ ‬إسلامي‭ ‬أصيل،‭ ‬وتحتفي‭ ‬به‭ ‬كواحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬انجازات‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري،‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬إحياء‭ ‬الركن‭ ‬الساقط‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬الحكم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الراشد‭”‬

مما لا شك فيه أن وثيقة البيعة كانت فعلا مؤسسا للدولة الجزائرية الحديثة، التي ادعى المرحوم فرحات عباس ذات يوم أنه بحث عنها في المقابر، بل هي حدث تاريخي يعني العالم الإسلامي برمته، لأنه أعاد إحياء مبدأ الشورى في اختيار ولاة الأمر بعد أن سقط منذ أكثر من 1200 سنة، كما أعاد توضيح مهام الدولة الإسلامية كما لا تجده في أية بيعة أقيمت لخليفة أو سلطان مسلم منذ بداية الدولة الأموية وحتى سقوط الخلافة العثمانية، وقد اشتملت على استبعاد واضح لمفردات الاستبداد، برفض الأمير لقب السلطان أولا، وبالتأكيد على مخالفة من سبقه من الحكام‭ ‬المسلمين‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭.‬

 

 

دين‭ ‬الدولة‭ ‬حماية‭ ‬دين‭ ‬مواطنيها‭ ‬

بإمكان القارئ أن يلاحظ أنه لا وجود في الوثيقة لعبارة “الإسلام دين الدولة” الذي أصبح شعارا مبتذلا للإسلام السياسي، واستبدل في الوثيقة بالتأكيد على أن الدولة الجديدة هي “إمارة إسلامية تقوم بشعائر الملة المحمدية” ويتكفل فيها ولي الأمر بإقامة الحدود، والامتناع عن “تكليف الرعية شيئا لم تأمر به الشريعة المطهرة” أو صرف مال المسلمين “إلا بوجه الحق” فنحن أبعد ما نكون عن الخطاب المغشوش لنخبة الإسلام السياسي الحديث. فلا مساومة في طبيعة الدولة كدولة إسلامية قائمة على إدارة أمر مواطنيها المسلمين، ولا تسويف أو خداع حيال التزام ولي الأمر فيها بإقامة الحدود، كما نرى اليوم في برامج ومواقف أقطاب الإسلام السياسي، الذي يكون قد سقط حتى وإن أوصلته بعض المسارات الثورية أو الديمقراطية إلى الحكم، بعد أن أسقط مسبقا من برامجه ما كان يميزه عن سائر الحركات السياسية.

 

مخاوف‭ ‬السلاطين‭ ‬من‭ ‬انقلاب‭ ‬الأمير‭ ‬على‭ ‬الملكية

مما لا شك فيه أن ما كان يواجهه الجزائريون وقتها، كان أعقد وأصعب مما نواجهه اليوم، ومع ذلك فقد اختارت الصفوة من قادة القبائل وقتها، في ما يشبه الاستفتاء العام، خيار بناء الدولة الإسلامية الراشدة، ولم يشكل لها هذا الخيار أي عائق، لا في قيادة جهد المقاومة، ولا في تدبير إدارة أحوال الناس، ولم يتهم أحد ولا حتى خصوم الأمير، لم يتهم الإمارة بأنها دولة دينية تيوقراطية متخلفة، وقد كان بوسع القبائل الجزائرية أن تختار نظام حكم مقتبس من نظام الحكم في مصر التي زارها الأمير، أو من الشقيقة المغرب التي سوف يدخل ملكها في مواجهة مفتوحة مع الدولة الإسلامية الراشدة الناشئة إلى جوار المملكة، وكانت تهدد سلطان الملك عند عموم علماء وأعيان المغرب الأقصى، من حيث أنها جاءت بنموذج أصيل لدولة مسلمة حديثة، ملتزمة بما التزمت به دولة الخلفاء الراشدين، قائمة على الشورى حتى وهي تواجه نفس الجيش‭ ‬النابليوني‭ ‬الذي‭ ‬دوخ‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬أوروبا‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬سنة‭ ‬خلت‭.‬

كانت دولة الأمير تهدد سلطان المغرب عند عموم علماء وأعيان المغرب، من حيث أنها جاءت بنموذج أصيل لدولة مسلمة حديثة، ملتزمة بالحكم الراشد، قائمة على الشورى حتى وهي تواجه نفس الجيش النابليوني الذي دوخ إمبراطوريات أوروبا”

فكتب التاريخ تذكر الحرب التي كان يخوضها الأمير على ثلاث جبهات: مع المحتل أولا، ثم مع بعض القبائل المتعاملة مع المحتل، وأخيرا مع سلطان المغرب: مولاي عبد الرحمن الذي سبق أمراء الخليج في القتال إلى جانب قوة غير مسلمة ضد طرف مسلم، ولأجل ذلك بعث الأمير عبد القادر برسالة إلى مفتي المالكية في الديار المصرية، يستفتيه في تحليل دم ملك المغرب الذي كان يتعاون مع المحتل، ويمنع المسلمين من المغرب من الانخراط في المقاومة إلى جانب الأمير عبد القادر، وسبق لي أن نشرت نص الرسالة في مقال نشر بيومية الرأي ، وجاء الرد من مفتي المالكية‭ ‬بالديار‭ ‬المصرية‭ ‬بجواز‭ ‬هدر‭ ‬دم‭ ‬ملك‭ ‬المغرب،‭ ‬معززا‭ ‬بشواهد‭ ‬قاطعة‭ ‬من‭ ‬رأي‭ ‬فقهاء‭ ‬المسلمين‭.‬

 

دروس‭ ‬أميرية‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الراشدة

لقد‭ ‬آثرت‭ ‬العودة‭ ‬بهذا‭ ‬الاستطراد‭ ‬التاريخي‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬القريبة‭ ‬والبعيدة‭ ‬لكي‭ ‬أتوقف‭ ‬مع‭ ‬القارئ‭ ‬عند‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الاستنتاجات‭:‬

الأول: تعني جميع المسلمين تذكرهم بأن ولاية أمر المسلمين لا تحتاج سوى للتأكيد على الأخذ بالمبدأين المؤسسين للحكم الإسلامي الراشد وهما إعمال الشورى في اختبار وولاة الأمر ثم إلزامهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله.

الثاني: يعني جميع الجزائريين بتذكيرهم بهذا التأسيس التاريخي للدولة الجزائرية الحديثة على المبدئيين المنوه بهما أعلاه، وقد كانت أول محاولة في التاريخ الإسلامي لحديث للعودة بولاية أمر المسلمين إلى العمل بالمبدأين.

الثالثة: الثالثة تخاطب الأحزاب ألإسلامية التي ترفع اليوم شعار الدعوة لبناء الدولة الإسلامية، وتدعوهم إلى العودة لهذا النموذج الأصيل النقي الذي أسست له دولة الأمير عبد القادر، وهو الذي كان على اطلاع بنظم الحكم في زمنه سواء في أوروبا أو في العالم الإسلامي، وقد زار المشرق مرتين والتقى بمحمد علي، فلم يخلد إلى التقليد واستنساخ تحارب الغير، بل عاد إلى ما يعلم عن الدولة الإسلامية الراشدة فاستلهم منها برنامجه وسيرته دون الانغلاق في رؤية ماضوية أو الغلو في الدين، مع إظهار قدر عال من التسامح مع المخالف في الدين والثقافة‭ ‬بوأته‭ ‬مكانة‭ ‬محمودة‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬الغلاة‭ ‬من‭ ‬النخبة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬معاصريه‭.‬

 

مقالات ذات صلة