الرأي

5 نماذج للخطاب الفرنكفوني حول الفرنسية في الجزائر

تتكرر في الآونة الأخيرة، في بعض الكتابات والتصريحات الصحفية، نبرة تكاد تجعل من تراجع مكانة الفرنسية في المدرسة الجزائرية مأساة وطنية، ومن إدخال الإنكليزية في مراحل التعليم المختلفة اعتداءً على الذاكرة والهوية.

وتزداد دلالة هذا الخطاب حين تتقاطع مقولات عن ديغول “مؤسس التعريب” في الجزائر مع مقالات وتصريحات رابح سبع، وكمال داود، وأحمد تسّة، وبعض ما نشرته أسبوعيتا ‘ماريان” Marianne و “لوبوا” Le Point، في تصوير الانتقال من الفرنسية إلى الإنكليزية باعتباره “استئصالاً” و”إبادة لغوية” و”محوًا للذاكرة”. هيا نقرأ معا ما يقولون:

1- ديغول (25 جويلية 1961)

المرسوم الموقّع من قبل ديغول الصادر في الجريدة الرسمية في 25 جويلية 1961 والمتعلق “بتعليم اللغة العربية في المدارس العمومية الابتدائية للأقسام الفرنسية في الجزائر” ينص على:

المادة 1. “يُنظَّم تعليم اللغة العربية في المدارس العمومية الابتدائية التابعة للأقسام الفرنسية في الجزائر، وفقا لأحكام المواد التالية”.

المادة 2. “يكون هذا التعليم إلزاميا للتلاميذ دون تمييز، في جميع المدارس المتوفرة على الهيئة التدريسية اللازمة. يحدد قرار من المندوب العام في الجزائر، سنويا، قائمة هذه المدارس”.

المادة 3. “بهدف تسريع تعليم اللغة العربية في الجزائر، سيُنشأ، خلال السنوات الدراسية الخمس المقبلة، وفي حدود الاعتمادات المدرجة في ميزانية الخدمات المدنية في الجزائر، المناصب التالية (مكلفون بتعليم العربية): 120 منصبا (1961-1962)، 150 (1962-1963)، 200 (1963-1964)، 300 (1964-1965)، 400 منصبا (1965-1966)”.

المادة 4. “تكون اللغة المُدرَّسة هي العربية الفصحى أو العربية الدارجة على أن يكون للتلاميذ حرية اختيار أيٍّ من هذين التعليمين”.

المادة 5. “يُضاف امتحان في العربية الفصحى أو العربية الدارجة إلى امتحان شهادة التعليم الابتدائي في الأقسام الفرنسية بالجزائر”.

يُقدّم البعض هذا المرسوم وكأنه “تأسيس ديغول لتعريب الجزائر المستقلة”. لكن قراءة واحدة للجدول الزمني في المادة الثالثة تكفي لتطيح بهذه الرواية الباطلة. فالمرسوم يضع خطة تمتد لـ 5 سنوات دراسية (حتى 1966). هذا الجدول ليس مشروع تعريب وطني، بل برنامج إداري ضمن تصور فرنسي لـ”جزائر فرنسية” مستمرة في ظل الحكم الاستعماري، وإلا فما معنى وضع خطة تمتد إلى عام 1966 إذا كانت فرنسا تعلم أنها ستغادر بعد سنة واحدة الأراضي الجزائرية؟ ثم انظر العبارة في المادة 2: “”إلزامي… [لـ]جميع المدارس المتوفرة على الهيئة التدريسية اللازمة”. فأي إلزام هذا الذي يربطه بمدى توفر المستلزمات؟ !

بل الأكثر وضوحا أن المرسوم يُشرع للدارجة كخيار معادل للفصحى (المادة 4)، وهو ما يتناقض كليا مع روح التعريب الوطني الذي رفضته الحركة الوطنية الجزائرية، والذي أصر بعد الاستقلال على الفصحى وحدها لغة للعلم والهوية. فكيف يُنسب لديغول تأسيس تعريب وهو يكرّس التقسيم اللغوي ذاته الذي ظل الاستعمار يستخدمه أداةً للتجزئة؟  والأكثر هذيانا أن من يروّج لفكرة ديغول “مؤسس التعريب” هو الذي زعم أن المعلوماتية من إنتاج العرب لأنهم كانوا من وراء 0 و 1 !!!

أما الذريعة السخيفة التي سوّق لها البعض القائلة بأن ديغول “انبهر” بإتقان المفاوضين الجزائريين للغة الفرنسية في إيفيان فقرر تعريب الجزائر لكسر جناحها، فهي خرافة لا تأتي إلا من “مخرّف”. فاتفاقيات إيفيان وُقعت في مارس 1962، أي بعد ثمانية أشهر من صدور المرسوم. فكيف يكون المرسوم ردّ فعل على مفاوضات ما زالت جارية وتشير ضمنيا إلى أن فرنسا لازالت باقية 5 سنوات أخرى في الجزائر؟؟.

2- رابح سبع (28 سبتمبر 2023): من نقد التعريب إلى افتراض “هزيمته الرسمية”

رابح سبع، أستاذ في علم الاجتماع، متخصص في الأنثروبولوجيا، وصاحب مؤلفات بالفرنسية، كما نشر سنة 2022 أول رواية بالدارجة الجزائرية. وقد عبّر بعد سنة عن موقفه في استجواب نشرته أسبوعية Marianne الفرنسية  -التي كانت تنسب إلى اليسار وصارت من اليمين- حول الوضع اللغوي في الجزائر، تحت العنوان: في الجزائر، الحملة ضد الفرنسية تكرّس الهزيمة الرسمية للتعريب”.

وعندما سُئل: “هل هذه الحرب ضد الفرنسية مدفوعة باعتبارات أيديولوجية بحتة، أم أنها أيضًا محاولة لتحويل الانتباه عن الإخفاقات الأخرى؟” أجاب بأن “الرؤية الأيديولوجية واضحة”، وأن هناك توجهًا يعتبر أن “كل ما هو عربي إسلامي هو الجيد، وكل ما هو فرنسي هو شر يجب التخلص منه”، ثم خلص إلى أن هذا التوجه يحمل “اعترافًا ضمنيًا بفشل سياسة التعريب” التي نُفذت بصورة متعسفة.

وهنا ينبغي التوقف عند المنطق الذي يقوم عليه هذا الكلام. فحتى لو اتفقنا على التعريب عرفت اختلالات، فما العلاقة المنطقية بين نقد التعريب وبين الدفاع عن استمرار الهيمنة التعليمية للفرنسية؟

والأغرب هو تحويل كل دعوة إلى تقليص امتياز الفرنسية إلى موقف عدائي ضد هذه اللغة… وكأن الجزائري لا يستطيع أن يرفض الهيمنة اللغوية الفرنسية إلا إذا كان معاديًا للثقافة الفرنسية. هذه مغالطة تختزل النقاش اختزالًا أيديولوجيًا. فالذي يدعو إلى أن تكون الفرنسية لغة أجنبية في المدرسة لا يدعو إلى حذفها من المجتمع، ولا إلى منع تدريسها، ولا إلى إلغاء تراثها، وإنما يرفض احتفاظها بموقع سيادي داخل المدرسة الوطنية بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال.

3- كمال داود (18 أفريل 2025) يزعم نبذ اللغة الفرنسية في الجزائر

كمال داود، الذائع الصيت كتب في ربيع السنة الماضية افتتاحية في مجلة Le Point الفرنسية اليمينية، بعنوان “اللغة الفرنسية خالدة لأن…” تناول فيها تراجع الفرنسية في الجزائر، فقال: “في الجزائر، يستمر نبذ اللغة الفرنسية. لكن سياسة السلطة ستصطدم بثقل الجزائريين في فرنسا، حاملي تصور لغوي لا يمكن المساس به”. ووردت في المقال صورة لكلية الطب بالجزائر كتب تحتها: “كلية الطب بالجزائر حيث سيكون التدريس من الآن فصاعدًا باللغة الإنكليزية”. ثم اعتبر أن هذه المعلومة مرت دون أن يلتفت إليها أحد. وبعد ذلك وصف المسار بأنه جزء من “مسلسل مناهض للفرنسة”، ثم قال: “أن تكون جزائريًا، معناه أن تكون غير فرنسي، ومناهضًا للفرنسية. هذا هو نشيد الهوية…”، قبل أن يعلن: “وهكذا يُعلن الموت السريري للفرنسية في الجزائر”. وأضاف: حول الإنكليزية: “وكأن الإنجليزية هي لغة ملائكة-أبطال من دون تاريخ استعماري”. وهي من حججه السخيفة التي لا تحتاج إلى بيان.

بخصوص الحديث عن الجالية فحجته واهية: جاليتنا في فرنسا تحتاج الفرنسية لأنها تعيش داخل فضاء فرنكوفوني، وليس من المنطقي أن تُصاغ السياسة اللغوية لمدرسة تضم ملايين الأطفال في الجزائر وفق حاجات بيئة لغوية خارج الحدود.

أما القول إن “أن تكون جزائريًا … مناهضًا للفرنسية”، فهو بناء ثنائي زائف: ليس المطلوب أن يكون الجزائري فرنكوفونيًا أو معاديًا للفرنسية. يمكنه أن يكون جزائريًا، يتقن الفرنسية، ويقدر أدبها وتاريخها، وأن يرى بأن الإنكليزية أولى بالصدارة في العلوم والتكنولوجيا.

إنه لا ينكر قيمة الفرنسية إلا جاحد، ولا ننكر تاريخها في الجزائر، ولا ننكر أهمية إتقانها للباحث في التاريخ والثقافة، وإنما نرفض أن تتحول هذه القيمة إلى حق تربوي دائم في احتكار موقع اللغة الأجنبية الأولى.

4- “شكسبير في مواجهة موليير” (25 جويلية 2026): معركة صحفية لا معركة تربوية

شكسبير في مواجهة موليير في الجزائر” هو العنوان الذي فضلته أسبوعية  Le Point لمقالها، في اليوم ذاته الذي أعلن فيه وزيرنا للتربية عن التعديلات الأخيرة. إن المسألة ليست في الحقيقة مواجهة بين ثقافتين ينبغي للجزائري أن يختار بينهما. إنها مسألة ترتيب أولويات لغوية في منظومة تعليمية محدودة الوقت والإمكانات.

إن قرار زحزحة الفرنسية  الأخير، مهما اختلفنا حول تفاصيله، لا يعني طرد الفرنسية من المدرسة. إنه تغيير في الأولويات. ومن الطبيعي أن يثير ذلك مقاومة من الفئات التي بنت تكوينها العلمي والمهني باللغة الفرنسية. لكن مصالحها لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة إلزامية للأجيال القادمة. إن أقوى حجة لدى المدافعين عن الفرنسية ينبغي أن تكون تربوية وعلمية: ما الذي ستضيفه الفرنسية للطالب مقارنة بالإنكليزية؟ وما حجم الإنتاج العلمي المعاصر المتاح بها؟ وما فرص خريج الجامعة الجزائرية في الوصول إلى أحدث البحوث؟ فإذا كانت الإجابة أن الفرنسية أفضل في هذه المجالات، فليُقدَّم الدليل.

5- الذاكرة لا تُمحى بتغيير لغة التدريس (17 أوت 2025)

وقبل أربعة أيام فقط، عادت أسبوعية Marianne إلى الموضوع في مقال خصصته لتراجع مكانة الفرنسية في الجزائر، وحمل عنوانًا: “ليست اللغة هي المستهدفة، بل الذاكرة هي التي يجري محوها: في الجزائر، استئصال الفرنسية يمضي في طريقه”. ويستهل المقال بالقول إن “هناك مسارًا جاريا يرمي، على المدى البعيد، إلى استبدال الفرنسية بالإنكليزية في المدارس الجزائرية، وهو ما يثير انتقادات أنصار لغة موليير”.

وفي سياق تقديمها لموقف المدافعين عن الفرنسية، تقول: “منذ الاستقلال، اعتمدت الجزائر في بنائها على قدمين: نخبة ناطقة بالفرنسية وأخرى ناطقة بالعربية. وعندما يحاول البعض القضاء على اللغة الفرنسية، فإنهم يريدون للبلاد أن تعتمد على قدم واحدة فقط. وعندئذ يصبح الحمل ثقيلا للغاية”.

 واللافت أن الأسبوعية تورد هذا الاقتباس دون أن تنسبه لأحد بشكل صريح، لكنها تنتقل مباشرة بعد نهايته إلى الحديث عن أحمد تسّة، فتقدمه بوصفه “من أصحاب الخبرة الطويلة في مجال التربية”، ومن الشخصيات الجزائرية القليلة التي رفعت صوتها ضد مشروع وزارة التربية الرامي إلى تقليص مكانة الفرنسية في المدرسة الجزائرية”. يقول تسّة إنه “لا يمكن استبدال نخبة فرانكوفونية بأخرى ناطقة بالإنكليزية، لأن ذلك يتطلب خمسين عامًا على الأقل، وربما أكثر”. وهنا تزداد درجة التهويل بما لا يسع المجال لتفصيله. فمن الذي أعلن أن الجزائر تريد “محو الفرنسية؟

ما يجري هو: إعادة ترتيب مكانة اللغات داخل المنظومة التعليمية. اليوم، فإن بقاء اللغة الفرنسية أو تراجعها ينبغي أن تحدده قيمة ما تقدمه للجزائريين، لا الذاكرة الاستعمارية التي جعلتها مهيمنة. ومن هنا فإن الدفاع عن الفرنسية كلغة أجنبية أمر مشروع، أما الدفاع عن امتيازها وسيادتها داخل المدرسة الجزائرية باسم الذاكرة أو النخبة أو الجالية، فليس دفاعًا عن اللغة بقدر ما هو دفاع عن إرث تاريخي لم يعد من المنطقي أن يظل يحكم مستقبل الطفل الجزائري.

مقالات ذات صلة