-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

64 على 62

عمار يزلي
  • 437
  • 0
64 على 62

أربع وستون سنة تمرُّ على ذكرى يوم خروج ملايين الجزائريين إلى الشوارع والأزقة والساحات وفي القرى، حاملين العلم الوطني، هاتفين بحياة الجزائر وقيادتها السياسية وقتئذ، رافعين الأصوات مطالبين باستقلال بقية الدول التي كانت لا تزال ترزح تحت نير الاحتلال، وتنديدا باستمرار الاحتلال في بعض الدول الإفريقية، وهذا بشكل تضامني لا مثيل له. كان يوما خارجا من التاريخ، يوما لا يشبه بقية الأيام، والصور التي لا تزال تُبث من حين لآخر عبر القنوات وعلى مختلف الحوامل الافتراضية، تعكس ذلك ولو جزئيّا، فالصورة أبلغ من ألف كلمة ومن شهد ليس كمن شاهد.

كانت الفرحة عارمة في المدن، لكن القرى أيضا، فقد عشنا الحدث صغارا وشاركنا فيه، ولا تزال تلك الصور راسخة في ذاكرتنا كوشم مرسوم على تلافيف الذاكرة.

64 سنة تمرّ، وقد مرت الجزائر بمختلف التجارب السياسية والاجتماعية بحثا عن نموذج وطني لما بعد فترة الاستقلال الوطني. لم يكن كل شيء جاهزا بعد لبناء الدولة الوطنية، ولكن كل شيء من أجل ذلك كان جاهزا في قلوب الناس وفي قلوب القيادات على مختلف توجهاتهم وطموحاتهم الوطنية والشخصية واختلاف وجهات نظرهم بشأن ذلك، لكن لا أحد ينكر أن حب الجزائر كان يسكن كل جزائري، من أبسط فلاح في القرى المهجورة والمدمَّرة، إلى آخر قائد ومناضل في جبهة التحرير الوطني وفي جيش التحرير وقائد مركزي في أعلى هرم السلطة الجديدة. الجميعُ كان يحتفل بهذا اليوم الذي كان نهاية لكابوس ونهاية نفق مظلم، لم يؤمن بوجود ضوء في آخره إلا قلة قليلة من شباب الجزائر الغيورين على البلد والذين “سبّلوا” أنفسهم وأهليهم من أجل القضية. قلة كثُرت مع الوقت وآمنت بمشروع هذه المجموعة واندمجت فيه بحثا عن طريق لا يمكن أن يحصل إلا باسترداد بالقوة ما أخذ بالقوة، وأن سياسية المشاركة والاندماج، لم تعد تمثل إلا ثوبا باليا مرقعا مترهلا حان الوقت لاستبداله بثوب جديد، تحت راية الاستقلال الوطني.

اليوم، والجزائر تسعى إلى استكمال أهداف الاستقلال الوطني ومشروعه، عبر تجسيد استقلال في كل المجالات وليس فقط في المجال السياسي والدبلوماسي، بل في مجال الاستقلال الاقتصادي والأمن الغذائي والحفاظ على مكتسبات أكثر من نصف قرن من الإنجازات والتجارب وتجاوز الإخفاقات التي، للأسف، ساهمت في كثير من المحطات التاريخية في فرملة مسيرة التنمية التي ارتضاها الاستقلال الوطني وشهداؤنا الأنقياء الأشاوس للجزائر الحرَّة المستقلة. كانت نكسات تاريخية، وإخفاقات من رحم التجربة وصراع الأفكار والمواقف وتباين المواقع والانتماءات، لكن هذا لم ينل من عزيمة الجزائر التاريخية بصلابة جذعها وعمق جذورها وقوة تشابك أغصانها. كانت الجزائر، وفي كل مرة وفي كل محطة “تعطل”، تعود لتصلح الدولاب وتضبط آليات السير على المسير، وتعود إلى الاستمرارية وإلى الطريق الموشَّح بالدم والدموع، متعبَة، لكن أصيلة ومتحدية الصعاب وعازمة على تجاوز كل الحواجز وكل المطبّات والفخاخ التي أُعِدّت لها أحيانا من طرف أعداء الداخل في الخارج وفي الداخل. بعزم وثبات، تمكَّنت الجزائر من الخروج منتصرة، ولم تهزمها الصعاب حتى وإن أضعفت جناحيها من أجل الطيران والتحليق، لكن أجنحتها لم تنكسر، واستمرت تنهض كل مرة يرى الأعداء فيها أنها ستقع وتركع. غير أن الركوع في القاموس الجزائري وفي طينة الجزائريين لم يكن مسموحا به إلا لمن خلقهم وقدَّر لهم أقواتهم ورسم لهم قدرهم عبر معالم مسار قديم قِدم التاريخ حتى في أحلك الظروف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!