الرأي

7 أكتوبر: انكسار السرد وبداية وعي جديد

بقلم الأسير المحرر رائد نزار عبد الجليل
  • 415
  • 0

في تاريخ الشعوب لحظات فارقة لا تُقاس بميزان السلاح والعتاد، بل بقدرتها على تفجير الوعي وتغيير الخيال الجمعي. يوم 7 أكتوبر 2023 كان من هذه اللحظات؛ لم يكن مجرد هجوم عسكري مباغت، بل صدمة كسرت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، والدولة التي لا تُهزم.

لقد كان أكتوبر حدثًا يتجاوز البعد العسكري. لم يكن “عملية حربية” فقط، بل نصًّا فلسفيًا وفكريًا ونفسيًا وثقافيًا وسياسيًا، أعاد صياغة الكثير من المفاهيم المرتبطة بالاحتلال والمقاومة والوعي. في لحظة واحدة، تهاوت سرديات الاحتلال الكبرى، وارتسمت في الوعي الجمعي صورة جديدة للفلسطيني: الفاعل لا الضحية، المبادر لا المستسلم.

منذ تأسيسها، قامت الحركة الصهيونية على القوة المسلحة بقدر ما قامت على “السرديات”: إسرائيل ملاذ اليهود الآمن، جيشها قادر على سحق أي تهديد، والجدار الحديدي سيجعل العرب يستسلمون لليأس. هذه الرواية تكرست في المخيلة العربية والفلسطينية بعد هزيمتي 1948 و1967، حتى بدا التحرير وكأنه وهم.

لكن 7 أكتوبر فجّر هذه الأساطير. الهجوم لم يكشف فقط هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بل بيّن أن الردع لم يعد مطلقًا، وأن الفلسطيني قادر على صناعة حدث تاريخي يقلب الوعي ويُعيد تعريف الممكن.

مشهدية الخضوع: صورة تُعيد كتابة التاريخ

من أقوى لحظات ذلك اليوم صورة المقاتل الفلسطيني بكامل عتاده، فيما جنود الاحتلال يرفعون أيديهم مستسلمين.

سنوات طويلة صُوّر الفلسطيني ضحيةً: شهيدًا أو أسيرًا أمام جندي متفوق. لكن 7 أكتوبر قلب الصورة رأسًا على عقب: الجندي الإسرائيلي راكع، والمقاتل الفلسطيني شامخ

هذه الصورة لم تكن مجرد مشهد عابر، بل تحوّلت إلى رمز يعيد تعريف العلاقة بين الضحية والجلاد. إنها دليل على أن الهيبة تُبنى بالفعل لا بالدعاية، وأن الفلسطيني قادر على نقل الصراع من خانة “رد الفعل” إلى “المبادرة وعي جديد يتشكل فلسطينيًا: تراجع خطاب الهزيمة وصعد الإحساس بالقدرة والمبادرة. المقاتل لم يعد رمز التضحية فقط، بل صار رمز الفعل التاريخي.

عربيًا: تهاوت صورة إسرائيل كضامن للأمن وهيبة للأنظمة، وصار الفعل الفلسطيني محل اعتراف لا تشكيك.

غربيًا: تراجعت صورة إسرائيل كـ”ديمقراطية محاصرة” لتحل محلها صورة “دولة فصل عنصري” ترتكب إبادة، ما مهّد لموجة اعترافات بدولة فلسطين من بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا.

رغم المجازر والإبادة وما يعيشه أهلنا في غزة من وجع ودمار، فإن ما يصبه الاحتلال على القطاع ليس سوى اعتراف ضمني بأن ما وقع في أكتوبر لم يكن حربًا عابرة، بل حربًا وجودية تمس مصير المشروع الصهيوني ذاته.

يدرك نتنياهو أن الصهيونية لا تستطيع أن تعيش مع “الآخر”، وأن مجرد وجود الفلسطيني، عربيًا كان أم إنسانيًا، يعني أن مشروعها ناقص. 7 أكتوبر جاء ليؤكد أن هذا الآخر ليس موجودًا فقط، بل مبادر وقادر على الفعل التاريخي

اعترافات من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها أكدت أن ما انهار لم يكن السياج الأمني فقط، بل “الوعي”:

من فانون إلى إدوارد سعيد: المقاربة الفكرية

وأخيرا…7 أكتوبر لم يغيّر موازين القوى وحدها، بل كسر الهيمنة السردية التي صنعتها إسرائيل لعقود. صور خضوع الجنود، اعترافات قادتها بفشل الردع، ومقالات صحفهم التي أشادت بشجاعة الفلسطينيين، كلها دلائل على ولادة وعي جديد.

لكن التحدي الأكبر أن يتحول هذا الوعي إلى مشروع تحرري طويل النفس، يجمع بين المقاومة السياسية والثقافية والميدانية في إطار عمل وطني جامع، ضمن استراتيجية موحدة أساسها الوحدة الوطنية وغايتها التحرير.

فأكتوبر لم يكن مجرد عمل حربي، بل نصًّا فلسفيًا وفكريًا ونفسيًا وثقافيًا وسياسيًا غيّر كثيرًا من المفاهيم المتعلقة بالاحتلال والمقاومة والوعي. وكما قال أنطونيو غرامشي: “تشاؤم العقل، وتفاؤل الإرادة”.

فرغم صور الدمار والموت والجوع والوجع الذي لا قرار له، إلا أن هذا الألم العميق لن يكون نهاية، بل بذرة بداية. منه سينبثق وطن ودولة، فهذه حتمية تاريخية.

مقالات ذات صلة