8 أيام من التصريحات الغريبة والمثيرة للمتهمين والشهود
على مدار ثمانية أيام من أطوار المحاكمة في ملف قضية “الطريق السيار” التي جرت أمام محكمة الجنايات بمجلس قضاء العاصمة، كانت المفاجآت تتوالى واحدة تلو أخرى والقصص الغريبة جعلت من المحاكمة محط أنظار وسائل الإعلام الوطنية والدولية لما حملته من اعترافات “مثيرة للاهتمام”، ولكونها تتعلق بأغرب قصة فساد في الألفية الثالثة بامتياز، أبطالها ليسوا عاديين كما قال عنهم رئيس محكمة الجنايات، هلالي الطيب. ومن أجل هذا وذاك رصدت “الشروق” أغرب وأهم تفاصيل “المحاكمة الأسطورية”.
طابوهات تكسر لأول مرة
ففتح ملف “الطريق السيار” من قبل محكمة الجنايات بالجزائر العاصمة خلال شهر أفريل المنصرم، لم يمر بسلام مثله مثل باقي قضايا الفساد المعهودة، فهذه المرة استبيحت وعلى غير العادة المحظورات، وأخذت جلسات الاستماع منعرجا خطيرا بالكشف عن أسماء ثقيلة، كانت إلى زمن غير بعيد من “الطابوهات” أو يمنع الاقتراب أو الحديث عنها ولو على سبيل الشهادة، حيث كانت المفاجأة بالحديث عن “الجنرال حسان”، الذي ذكر لأكثر من مرة من قبل المتهمين خلادي محمد وشاني مجذوب، فكل واحد منهما روى سيناريو لقائه بالآخر بناء على طلب من المعني، حيث قال شاني إن خلادي أخبره أن الجنرال حسان أرسله إليه، فيما فند خلادي ذلك، مشيرا إلى أن شاني هو من قال له إن الجنرال حسان طلب منه مقابلته وإنشاء “صندوق أسود في الخارج”.
ومع اختلاف التصريحات وتناقضها إلا أن هذا الاسم ظل يردد في جميع أطوار المحاكمة، ليستخدم حتى في مرافعات المحامين الذين استغربوا الرمز لاسمه في قرار الإحالة بحرف “ح” دون ذكره.
كما عرفت المحاكمة ذكر أسماء ثقيلة أخرى، وحتى وإن لم تكن لهم علاقة مباشرة مع وقائع قضية الفساد في “الطريق السيار” إلا أن علاقتهم مع المتهمين جعلت أسماءهم تتردد في قاعة الجلسات، على غرار “عبد العالي” الذي ذكر من قبل المتهم شاني وقال إنه يعرفه منذ التسعينات، وكذا “غضبان” الذي ذكر من قبل خلادي وردّ عليه هذا الأخير في إحدى الصحف الوطنية معتبرا ما قاله مساسا به، فيما حضر اسم الراحل الجنرال العماري، وهذا لكون أحد المتهمين وهو رجل الأعمال علاب الخير كان صهرا لهذا الأخير وروى للمحكمة طريقة زواجه وطلاقه التي وصفها بـ”الخدمة العسكرية”. وكان آخر اسم يذكر هو الجنرال خالد نزار الذي تكلم عنه خالد برغل في مرافعته مشيرا إلى أن المحامي الفرنسي “وليام بوردون” الذي جاء ليتكلم عن حقوق الإنسان في الجزائر، هو نفسه الذي رفع دعوى ضد نزار أمام المحكمة الجنائية بجنيف. والملاحظ أن رئيس الجلسة هلالي الطيب منح لكل شخص مهما كانت صفته الحق في التعبير والإدلاء بالتصريحات.
أسماء وزراء ترددت في ملف الطريق السيار
وعلى خلاف ملف قضية “الخليفة” الذي كان يحمل أسماء كثيرة لوزراء حضروا شهودا لعلاقتهم بالقضية حسب المسؤولية التي تقلدوها ومناصبهم في الهيئات المتضررة والقطاعات، ففي قضية “الطريق السيار” ذكرت أسماء لسبعة وزراء مختلفين منهم من كان مسؤولا على القطاع الذي مسه الفساد، ومنهم من كان المشروع في عهدته وشارك في المجلس الوزاري المصغر الذي خصص لـ”مشروع الرئيس”، كما سماه البعض، حيث ذكر المتهمون في قرار الإحالة وحتى عند استجوابهم أسماء وزراء عدة، غير أنه لا واحد منهم استدعي للشهادة أو سمع ما عدا المسؤول الأول عن قطاع الأشغال العمومية في وقت ارتكاب الوقائع، عمار غول، الذي أجاب عن أسئلة قاضي التحقيق 17 كتابيا. وكانت شهادته محل نقاش وجدل في المحاكمة، حيث ردّ المتهم خلادي على تصريحاته بقوة وهاجمها دفاعه في مرافعاته مطالبا بحضوره إلى المحكمة، غير أن القاضي أكد له أن القانون يمنعه من جلب وزير دولة إلى المحكمة.
فيما حضر اسم الوزير الأسبق للنقل عمار تو من خلال المرافعات، حيث استغرب المحامون عدم إدلائه بشهادته مثل ما فعل غول، خاصة أن الملف لا يعني فقط الطريق السيار بل إن 80 بالمئة منه تخص مشاريع قطاع النقل. وفي السياق ذاته تردّدت أثناء أطوار المحاكمة أسماء وزراء آخرين على غرار وزير الخارجية الأسبق أحمد بجاوي، وكذا عبد اللطيف بن آشنهو وزير المالية الأسبق، والوزير الأسبق للطاقة والمناجم شكيب خليل، وهذا بسبب تشكيلهم للهيئة التي تولت الاجتماع الوزاري المصغر الذي نوقشت فيه صفقة “الطريق السيار”.
كما أن تصريحات المتهم خلادي حول الاجتماع كانت مثار اهتمام لأنه كشف عن حضور رجل أعمال فرنسي “بيار فالكون” وكذا الجزائري “نصر الدين بوسعيد” الاجتماع ما جعل شكيب وبن آشنهو يعتذران عنه، وهي التصريحات التي فندها غول واعتبرها نسيج خيال وكذب وافتراء، وتردد في السياق اسم وزيري الحكومة السابقين عبد العزيز بلخادم، وأحمد أويحيى وهذا بخصوص إجراءات اتخذوها بعد كشف فضيحة الفساد وكذا أخرى لها علاقة بالصفقات، فيما حضر اسم المدير السابق لوكالة الأنباء ناصر مهل في قاعة الجلسات.
تناقضات ومواقف غريبة
وصنعت التصريحات المتناقضة أحيانا والطريفة أحيانا أخرى الحدث في محاكمة “الطريق السيار” والتي غالبا ما جعلت الحاضرين يدخلون في موجة من الضحك، ومن هذه المواقف إلقاء أحد المحامين قصيدة بعنوان “ح” تهكما على الرمز لاسم الجنرال حسان في قرار الإحالة بـ”ح”، ما أضفى نكهة خاصة للمحاكمة، فيما كانت التصريحات المتناقضة للمتهم خلادي محط اهتمام، خاصة أنه كان لا يكل ولا يمل وهو يمنح بالأرقام والدليل معلومات عن الفساد ليظهر في شكل “مفجر القضية”، وحتى بعد مواجهة القاضي له بالهدايا التي تلقاها من عند شركة “كوجال” و”سيتيك” على غرار استئجار “فيلتين” له وكذا سيارات وسفر إلى الصين برفقة عائلته وهواتف نقالة- فيها حتى معلومات عن الشركة- التي قال إنه اشتراها، ولا علاقة له بما عثر فيها إلا أنه تمسك بموقفه رغم أن كل تصريحات المتهمين كانت ضده، إلا أنه تمسك بكلامه وهاجم كل من يعاكسه متهما شخصيات نافذة بالفساد دون خوف، ما جعل دفاع شاني يصفه بـ “العميل 007″ ويتهمه بـ”الجنون” فيما اعتبر دفاع خلادي إهانة مذكرا بالعمل البطولي الذي قام به موكله من خلال كشفه للفساد ليقول: “الرؤؤس المدبرة هي الآن تراقب وتشاهد مسرحية المحاكمة من بعيد”.
وكان لمرافعات المحامي في حق المتهمين والتي انتقدت طلبات النيابة، أثر قوي في نفس النائب العام الذي طلب حق الرد من القاضي بعد انتهاء المرافعات، مشيرا إلى أنه كان طيلة ثمانية أيام يلاحظ ويراقب ولم يمس أي شخص سواء متهم أم شاهد أو محام، أو يتكلم عنه بسوء لكن المحامين حسبه تمادوا في اتهاماتهم للنيابة وفي انتقاداتهم، ليتدخل أحد المحامين ويعلمه أن صراعهم معه ليس كشخص لأنهم يحترمونه لكن مركزه كـ “غراق الشرع” يجعل الدفاع يهاجم بضراوة ويستعمل كل الأسلحة في المرافعات.
وفي سياق متصل، كان الحديث عن التعذيب و”الدياراس” طاغيا على أجواء المحاكمة كما أن المواثيق الدولية والمعاهدات صنعت الفارق في مرافعات المحامين في حق شاني، الذي بكى متأثرا وهو يروي طريقة احتجازه، فيما أثار “مقهى دالي إبراهيم” اهتمام الجميع إلى درجة أن أحد المحامين قال: “لدي فضول لمشاهدة هذا المقهى”. أما آخر فصرح: “عدنا نخاف من الاجتماع في المقهى لأن ذلك يشكل جناية تنظيم جمعية أشرار”.
وكانت “إقامة الدولة” حاضرة بقوة في المحاكمة في غياب مديرها حميد ملزي الذي استدعي شاهدا، حيث كانت مكانا للقاء بعض المتهمين مع بعضهم البعض كما أن تحصل المتهم شاني على جواز سفر بعنوان إقامة الدولة كان محل استغراب من ممثل النيابة، فيما تردد اسم رجل الأعمال نصر الدين بوسعيد المدعو “ساشا” على لسان المتهمين الرئيسين، ففي وقت قال أحد المحامين إنه لم يجد له أثرا ولا عنوانا مثل رجل الأعمال “بيار فالكون” الفرنسي، أكد المتهم تاج الدين أنه شخصية موجودة، ليعلق القاضي موجها كلامه إلى المتهم: “لماذا لم تخبر المحامي من قبل وجنبته عناء البحث؟”، أما اسم “فيلب شان” البروفيسور بجامعة هون كونغ، فقد تساءل المحامون كيف لشخص مثله تربطه علاقة مع المتهم خلادي؟