80 على 8
80 سنة تمر على نهاية الحرب العالمية الثانية في 8 ماي 1945، بما يعني جيلين اثنين على أكبر حرب عالمية حصدت الملايين من البشر في أوروبا، وعلى رأسهم الاتحاد السوفياتي بنحو 25 مليون قتيل. كما تعني المناسبة بالنسبة إلينا، جيلين اثنين على مجازر 8 ماي 1945، بنحو 45 ألف شهيد خلال أيام معدودات فقط.
تعود الذكرى هذه السنة، والوضع في العالم ينذر بمخاطر الانزلاق نحو حرب عالمية ثالثة، قد تكون آخر الحروب، باعتبارها حربا بين قوى نووية، الرابح فيها خاسر. لهذا، نرى هذا التقارب الحذر بين القوتين النوويتين اللتين كادتا أن تصلا إلى شفير المواجهة قبل مجيء ترمب، فيما تواصل بعض النخب في القارة العجوز نفخ “الكير” باتجاه النار المشتعلة في أوكرانيا، من دون أن يتمكن أحد من التساؤل عما يحدث في غزة والضفة وسورية ولبنان واليمن، التي قد تلهب المنطقة الملتهبة أصلا، فالحرب المقبلة، إذا لم تكن أوروبية كما كان الشأن لمرتين في التاريخ، فقد يكون الشرق الأوسط مركزها بعنوان فلسطين، ستطال ألسنة لهبها أوروبا وآسيا وأمريكا.
فرنسا، العجوز، العاجزة حتى عن ترتيب أمورها الداخلية، “تتسردك” على أوروبا وعلى روسيا، وهي التي لم تقدر حتى على المحافظة على قواتها في مستعمراتها القديمة، فتحاول عبثا أن تتظاهر بالقوة، مناطِحة طواحين الريح عبر خلق أزمات مفتعلة مع الجزائر، الخصم التاريخي، الذي قلّب ظهر المجنّ على الذهنية الاستعمارية المسيِّرة للنظام السياسي في التيار اليميني المتصاعد في هذا البلد المتهاوي، وأعاد ترتيب الأولويات في التعاملات والمبادلات والتعاون مع فرنسا، التي بقيت دوما ترى في الجزائر البقرة الحلوب التي يجب استنزافها لتبقى مدرَّة للحليب، مستهلِكة لا منتِجة لغير الحليب الأسود.
كان التواطؤ قائما قاعدا، مع نظام النومونكلاتورا ثم مع الأوليغارشيات المستفيدة من الريوع المالية مع ما صاحبها من نزيف العملة وتضخيم الفواتير وتهريب المال العامّ وتكريس للفساد على أوسع نطاق.
فرنسا، التي أضاعت البوصلة، وبدا لها أنها تفقد كل يوم منجما ومغنما، نراها اليوم تلهث وراء البحث عن بدائل لها في إفريقيا عبر دولة المخزن والكيان، محاولة الضغط على الجزائر، في نهج تفاوضي عبر المناورات المكشوفة، لم تعد الجزائر تعيرها اهتماما، ولا تلتفت إليها أصلا، وتمضي حيث تشير لها بوصلتها التي ضُبطت بعد الحراك الوطني الأصيل الذي أفضى إلى انتخابات رئاسية غيرت مجرى تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية بالأساس، سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
هذا التوجُّه الجديد، هو ما يعطي ذكرى مجازر 8 ماي 1945، لهذه السنة، ثقل وزن الذاكرة في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ومساهمة آلاف الجزائريين مرتين متتالين في الدفاع عن فرنسا وأوروبا: الأولى في أثناء الحرب العالمية الأولى 1914ـ1918، التي جنّدت فيها فرنسا الغاصبة المستعمِرة للبلد، آلافا من الجزائريين للدفاع عن فرنسا والموت من أجلها ضد تركيا المسلمة على حدود الدردنيل. والثانية، في الحرب العالمية الثانية 1939ـ1945، إذ قُتل الجزائريون المجندون في صفوفها، دفاعا عنها ضد ألمانيا النازية، ولم تجد ما تكافئهم به بعد الانتصار ونهاية الحرب الدموية، سوى كونها نفذت أبشع مجزرة في حق المدنيين المحتفلين بانتصار الحلفاء ومنهم فرنسا على ألمانيا النازية، لأن ذلك كان يعني لهم بشرى الاستقلال عن فرنسا كهدية لهم. غير أن الهدية كانت 45 ألف قتيل في العديد من المناطق بدءا من سطيف وقالمة وخراطة.
الذاكرة، تاريخ لا يمحوه النسيان ولا تزيله المناورات ودسائس السياسة البائسة لدى اليمين التعيس.