80 ألف ”متسوّل” يُحاصرون المساجد في رمضان
تشهد مداخل ومحيط مساجد الجزائر التي تقارب 16 ألف، مع اقتراب شهر رمضان انتعاشا لظاهرة التسول، وتزايد انتشار المتسوّلين بشكل كبير بمعدل 5″طلابين” عند كل مسجد، مايعني وجود 80 ألف مستول موزعين عبر المدن والقرى، خصوصا في الأماكن الحضرية الكبرى
-
وتبلغ مستوى الذروة عقب كل صلاة جمعة، أين يتمركز هؤلاء فرادا وجماعات، يمدون أيديهم مرفوقة بعبارات الاستجداء لجمع الأموال للحاجة، فيما آخرون يتسولون للاغتناء، ما يفيد وجود ـ شركات ـ تقوم بتوظيف المتسولين بعد تدربيهم على أحدث أساليب ومصطلحات التسوّل، ما يؤكد أن ظروف المجتمع الجزائري ليست بتلك الصورة الوردية التي ترسمها كثير الجهات.
-
لا يختلف اثنان في أن التسوّل من أكثر الظواهر خطورة على نسيج المجتمع، بالنظر إلى استفحالها في الآونة الأخيرة بشكل مخيف مسّت فئات عمرية متنوعة، سيما الأطفال ومن طبقات اجتماعية ميسورة الحال، فلا تكاد تخلو مدينة أو منطقة من تجوال المتسولين رجالا كانوا أم نساء، حيث يستحيل أن لا تلتقي متسولا في الشارع، وقارعة الطريق أو في محطات نقل المسافرين والمطارات وغيرها من المرافق العامة، غير أن ما لمسته “الشروق” في هذا التحقيق الميداني وعلى مدى شهرين، أن المساجد تبقى من الأماكن المفضلة والمقدسة لدى جيوش الفئة “المهنية” غير المصرح بها والتي تعرف انتشارا رهيبا عقب كل صلاة جمعة، في غياب الجهات الوصية برغم إرمادة التشريعات السارية.
-
وكشفت جولة “الشروق” بين بعض مساجد العاصمة، أياما قبل حلول شهر رمضان، أن الصورة لا تختلف بين الأحياء المصنفة بالراقية والتي يرتادها عديد المسؤولين والأخرى المتواجدة بالأحياء الشعبية، فبيوت الله تعتبر المكان الأكثر أهمية وحيوية لممتهني التسول، سيما خلال شهر الصيام، وعقب كل صلاة جمعة على وجه الخصوص، أين تبلغ الظاهرة ذروتها، وهي فرصة ترمي فيها جيوش المتسولين بكل ثقلها باستعمال عبارات الاستجداء لنيل العطف والحصول على المال وباحترافية عالية.
-
تباين المسافات بين المساجد، جمعته عبارات “لله يا محسنين، زوجي مات وترك لي الأولاد ولا معيل لهم، الله ينورلك الطريق، أعينوني لوجه الله على شراء دواء لزوجتي المريضة”، وما إلى ذلك من قاموس معروف، تتردد مفرداته على مسامع الجزائريين، فترى النسوة من المتحجبة والمتجلببة إلى المتنقبة، فلا مكان بينهن لغير المتحجبة، فضلا على ذلك فإن أماكن التموقع تحدد سلفا بين أصحابها، وهذه من بين قوانين وطقوس “المهنة” وعلى الجميع الالتزام بها، كما أن عدد الأفراد المرافقين للمتسول لا يتجاوز الاثنين، يفضل أن يكونوا من الرضع، مستغلين قداسة المكان وحرمة الشهر، فيما تعد فترة إخراج زكاة الفطر فرصة ”نادرة” لجلب مبالغ مالية تعادل 20 مليونا في بعض الأحيان وهذا بحسب الحالة المادية لـ”الضحية”.
-
وبعد عدة محاولات مع أحد المتسولين، كشف لـ “الشروق” بموافقة مشروطة بتجنب التلميح أو مجرد الإشارة إليه عن احترافه للمهنة، قال إنه “يتنقل في كل جمعة إلى أحد مساجد العاصمة، لكسب ما يتصدق به المصلون”، مبررا خياره بالظروف الحياتية القاهرة التي فرضت عليه ترك أسرته منذ نحو أربعة سنوات، أين تقيم زوجته وأبناؤه الخمسة ووالدته المسنة بأحد الولايات الداخلية، ورفض محدثنا تحديد ما يتحصل عليه من أموال، غير أنه تراجع وقال إنها تصل إلى حدود 10 آلاف دينار يوميا، وتزيد أكثر أيام الجمعة خصوصا في رمضان وكذا المناسبات الدينية، فيما تعد المقابر بحسب المصدر أحد الوجهات المفضلة للمتسولين.
-
وبرغم مستواه الثقافي المحدود، إلا أن محدثنا تميز بالحذر الشديد والحيطة في كل ما يبوح به من أسرار وخفايا “مهنة”، قال إنه لا يمكن التخلي عنها، بالنظر إلى مداخليها التي “تكسب بعرق الجبين” حسب ما يقول، مبرزا في ذات السياق أنه يحاول قدر الإمكان تجنب الاحتكاك أو التعارف مع زملائه، باستثناء قلة تربطه وإياهم عوامل الثقة والتوجيه، مضيفا بلغة اليأس أنه “فقد الثقة في كل شيء”، بعدما قضى نصف حياته كما يقول عاملا بأحد التعاونيات إلى غاية حلها منذ نحو 10 سنوات، أما الأموال التي يتحصل عليها فينفقها بالتساوي بين حاجاته الخاصة والبقية يرسلها إلى أسرته.
-
أما بشأن وجود شبكات أو شركات تقوم باستغلال المتسولين، فقد رفض محدثنا تأكيد أو نفي ذلك، غير أنه أشار بقوله “إنه لفت نظره” تنقل بعضم زملائه، سيما من النساء وبأعمار مختلفة على متن سيارات مدنية وفي أحيان أخرى بسيارات أجرة، وبانتظام وبخريطة معينة تحدد مسارات التسول والمساجد على وجه الخصوص، رافضا الخوض أكثر في الموضوع بقوله: “أنا جيت نلقط لقمة عيش ولادي ومندخلش في غيري”، أما وأن التسوّل ممنوع بقوة القانون ومحرم بنص الشرع، فذلك لا يمنع بحسب محدثنا مادام”الطلاب” لا يسرق ولا يتعدى على حقوق الناس، مضيفا أن “الطلبة” لا تنحصر بين الفقراء والمحتاجين فهناك الكثير من ميسوري الحال ينتسبون إلى ”المهنة” في بلد كثيرا ما اقتنع بتلك الصورة الوردية عن واقع مجتمعه.