-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الظواهري وحصاده المرّ

ياسر أبو هلالة
  • 1448
  • 0
الظواهري وحصاده المرّ
أرشيف
أيمن الظواهري وأسامة بن لادن

شبّه أحد المسؤولين الأميركيين ضغط الولايات المتحدة على السودان في إخراج أسامة بن لادن وأيمن الظواهري من بلديهما بضغط شاه إيران على صدّام حسين لإخراج الخميني من العراق.

وفي الحالين، أتى إخراجهم بنتائج معاكسة، فأطاح الخميني من باريس حكم الشاه، ومن أفغانستان تمكن بن لادن من تنفيذ هجمات “11 سبتمبر”، وقبلها استهداف المدمرة أس أس كول والسفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا.

كان التشبيه الذي ذكره المسؤول الأميركي لي، في حديث بعيد عن الكاميرات، تأييدا لنظرية سمعتها من مدير المخابرات السودانية الأسبق القطبي المهدي الذي كان يرى أن بن لادن بدأ يعود إلى أصوله في السودان مقاولا، والظواهري طبيبا.

تسند هذا التحليل مذكّرات الظواهري “فرسان تحت راية النبي”، ومذكّرات محاميه منتصر الزيات، ومن يقرأ مسار حياة الرجل يدرك أنه لو تُرك في أفغانستان لعاد إلى أصوله طبيبا يساعد الأفغان، تماما كما بدأ معهم في الهلال الأحمر الكويتي في ثمانينيات القرن الماضي. في شبابه، كره الرياضات العنيفة لأنها غير إنسانية، تدرّج في مسار العنف، وفي كتابه “الحصاد المرّ” الذي يهجو فيه مسار جماعة الإخوان المسلمين السلمي، تتضح قناعاته بممارسة العنف سبيلا وحيدا لتحقيق الأهداف السياسية.

هل كان العنف خيارا أم اضطرارا؟ يمكن الإجابة من خلال شخصية الظواهري، سليل العائلة المصرية الثرية المثقفة، فجده لأمه أول أمين عام جامعة الدول العربية عبد الرحمن عزّام، وجدّه لأبيه كان شيخ الأزهر، وهو طالب مميز تمكّن من التخرج في كلية الطب وفتح عيادة.

لم تتح له فرصة للعمل السلمي غير فترة الجامعة، وقتها وفي أثناء وجود جماعة الإخوان المسلمين في السجون نشأت الجماعات الإسلامية بدون قيادة. عندما خرج “الإخوان” من السجون، بدأ الفرز بين المعتدلين، من أمثال الرئيس الراحل محمد مرسي وعصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهم الذين بايعوا القيادة المفرج عنها، والمتشددين من أمثال الظواهري الذين أسّسوا الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد.

اضطرّ “الإخوان” لممارسة السياسة في الهامش الضيق الذي أتاحه السادات ومبارك. في المقابل، اضطر الظواهري إلى سلوك العنف سبيلا للوصول إلى الأهداف. في أفغانستان، وجد الجهاديون ساحة دولية معترفا بها، وكان السادات ومبارك يرونها فرصة لتصدير الغضب والتخلص من الشباب المتحمسين.

وبهزيمة السوفيات لم يجد الظواهري وبن لادن بلدا يستقبلهما غير السودان. ولو تُركا هناك لظلّ بن لادن يتفاخر بطريق التحدّي الذي أنجزه لربط شمال السودان بجنوبه، مقابل تفاخر الظواهري بعدد الحالات التي يستقبلها في مستشفاه الذي كان يخطط لبنائه.

مارس حكم مبارك عنفا لا يمكن تخيله على معارضيه، وخصوصا جماعة الجهاد. واعترف الظواهري نفسه على مكان أحد القيادات عصام القمري بعد التعذيب العنيف الذي تعرّض له، ويبدو أنه فقد رقّته التي اكتسبها في عائلته الثرية لصالح سادية الأمن.

ارتكبت المخابرات المصرية فظاعةً لا يمكن تخيلها في صراعها مع جماعة الجهاد في السودان، إذ استدرجت نجلي القياديين أحمد سلامة مبروك (أبو الفرج المصري قتل في سورية) ومحمد شرف في عملية قذرة. اختطفا وتعرّضا للاغتصاب، وسجّل لهما فيلم فيديو لابتزازهما.

وهذا ما تم، وجُنّدا للتجسس على ذويهما. اكتشفت المخابرات السودانية الاختراق، وبلغت “الجهاد” به، وطالبت بعدم معاقبة الطفلين اللذين يبلغان 15 عاما. بعد “استتابتهما” عفي عنهما ثم عادا إلى التخابر، وقرّر مجلس الشورى إعدامهما لظهور “شعر العانة” دليلا على البلوغ، ولوعيهما بما طلب منهما، تفجير اجتماع مجلس الشورى! لم يفكروا أنهما طفلان سلبت إرادتهما وخضعا تماما لمغتصبهما.

نفّذ حكم الإعدام بهما. وهو ما كان سببا كافيا لأن تطرد المخابرات السودانية التنظيم من البلد، استجابة لضغوط أميركية ومصرية.

كان يمكن أن يُقتل الظواهري على يد طفلي التنظم اللذين جندتهما المخابرات المصرية بحقيبة متفجرات، لكنه قتل بمسيّرة أميركية بعد هزيمة أميركا في أفغانستان، قبلها قتلت عائلته من زوجته الأولى في قصف أميركي، من بينهم طفل مصاب بمتلازمة داون.

انتهى تنظيم الجهاد وانتهى تنظيم قاعدة الجهاد، قبل أن تنتهي حياة الظواهري، فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، لا يزيد أعضاء التنظيم في أفغانستان على 400، وهم، بحسبة بسيطة، من تبقوا من مطاردي التنظيم وما تناسل من ذريتهم.

ولم يكن لهم دور فاعل في هزيمة أميركا في أفغانستان، لكن “طالبان” تعاطفت معهم وفاء لدورهم الرمزي في قتال السوفيات والأميركان.

عندما قتل الظواهري في أثناء إطلالته من شرفة منزله في كابول، ربما كان يراجع حصاده المرّ، وفكّر في بناء مستشفى للأطفال في كابول.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!