تعذيب نفسي لجزائريين في أماكن الراحة والاستجمام
اكتظاظ وتدافع، صراخ وشجارات وتهافت على كل ما يستهلك هي مشاهد تتكرر عبر الشواطئ والمركبات السياحية وأماكن الراحة والاستجمام بالجزائر خلال العطلة الصيفية.. الطوابير الطويلة لشراء أبسط ما يأكل أو للتمتع بشيء ما صور تطبع يوميات السياح ولا فرار منها.
المرتادون على هذه الأماكن لا يسلمون من قناصة الباعة الفوضويين وأصحاب المطاعم وقاعات الشاي الذين حوّلوا العطلة لاستنزاف الجيوب دون تحقيق النوعية والجودة والنظافة، كل هذه الأشياء جعلت من الخروج للتمتع بالعطلة في أذهان الكثير من الجزائريين، مضيعة للوقت ولذر المال في مهب الريح!
أكثر ما لفت انتباهنا خلال جولة قادت الشروق لبعض الشواطئ والأماكن الترفيهية بالعاصمة، هو تزاحم العائلات بشيء من“المعاندة” على جناح أو شيء للمتعة أو الوجبات التي تباع وبطريقة تباهي ومجارات، وتلتمس من خلال ذلك غياب الحس الفني في التمتع بالمكان وإن كان حاضرا هذا الحس عند البعض فإن الاكتظاظ وطغيان النمط الاستهلاكي والماديات، وغياب التنظيم والمضاربة في أسعار ما يحتاجه السياح كلها سلبيات تجعل من الارتياد على هذه الأماكن، إرهاق جسدي ونفسي قد يجعل المكوث في المنزل الخيار الأفضل.
تقول معلمة كانت رفقة أبنائها، حيث قدمت من ولاية شلف لقضاء العطلة عند شقيقها في العاصمة“إن ثقافة السياحة في الجزائر مغيّبة..لا يمكنك أن تتمتع براحتك حتى وأنت قبالة البحر..عجب!”.
أكدت أنها خسرت بمجرد تجوّلها في شاطئ الصابلات 5000دج، ودون أن ترضي أبنائها، وتذمر مغترب من اسبانيا يدعى مجيد من الاكتظاظ والطوابير والتدافع على كل شيء، وقال بشيء من الغضب“هل نأتي هنا لندافع ونتشاجر؟!..أم لننسى همومنا ونسترخي في بلادنا؟!”.
أحيانا يتعب الجزائريون حتى وهم ذاهبين لمكان قصد قضاء راحتهم، فعندما تستعد لقضاء يومك في شاطئ البحر بسيدي فرج مثلا، تبقى لساعات تعاني مع الازدحام المروري والدقائق لتركن سيارتك ويذهب يومك دون أن تتمتع وترتاح!.
يرد المختصون في علم الاجتماع والنفس، عدم التمتع النفسي بالعطلة عند الجزائريين لعدة أسباب، أولها غياب ثقافة الاستجمام والفسحة، ولحدوث تغيرات سببتها التطورات التكنولوجية وطغيان الماديات، وغلاء المعيشة وانشغال الأشخاص بحياتهم الخاصة وسعيهم وراء الأمور الاستهلاكية.
أكدت أستاذة علم الاجتماع في جامعة الجزائر، الدكتورة ثريا العيد التيجاني في تصريح للشروق، أن المجتمع الجزائري يسعى من الناحية الفكرية والشعورية لتغيير واقعه، لكنه يكرس من الناحية الثانية هذا الواقع المرفوض في ممارساته ، موضحة أن هذا التكريس يرتبط بمصالح ونشوات ورغبات وحاجات مادية مباشرة، يطلق على هذه الحالة حسبها “الأنوميا“، والتي أدت لظهور“الوحدة الأنانية” وتعني الوحدة “اينيتي” بمعنى أن الفرد أصبح منعزلا حتى داخل الأسرة ولا يعبر عن وحدة اجتماعية.
قالت إن الفرد أصبح غير مسؤول عن ما يحدث من تغيرات، وأن المجتمع ككل لا يخضع للمتغيرات التي تحصل له انطلاقا من ذاته، وأن ما يحصل يأتي من خارج الفرد وليس مسؤولا عنه.
ترى التيجاني، أن متغيرات المجتمع الجزائري، وتحوّلاته بدأت منذ 20 سنة ولم تؤدي إلى استقرار متفق عليه، سواء من الناحية التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولم تجد الأسرة الجزائرية، يضيف، المنظومة المبحوث عنها من جميع نواحي الحياة.