جهل وغرور.. وتطاول على كتاب الله
ما أثقل منطق الاستكبار والعناد وما أسخفه عندما يكون ثمرة الفطرة الملوثة والجهل المركب!
إن صاحب هذا”المنطق” لا يكفيه أن يذيع في الناس كفره وإلحاده، ولو اكتفى بذلك ما وجد عاقلا ينكر عليه هذا الكفر وهذا الإلحاد، فهو حر في معتقده، لكن جهله المركب وغروره يدفعانه دفعا إلى الإمعان في “التميز والتفرد” والبحث عن الشهرة الواسعة، فلا يجد من وسيلة إلى ذلك سوى التطاول على كتاب الله! وهنا يصبح الرد عليه واجبا لا طمعا في”إقناعه”، ولكن لفضح جهله وتحصين النشء من أفكاره الضالة وأحكامه الخاطئة! قال أحد هؤلاء”المستلبين” وهو يستعرض مقدرته على النظر والتحليل والاستنباط والحكم: “إن القرآن بحكم طبيعته محدود غير قابل للتجدد، وليس هناك مناسبة دينية تؤكد ذلك بوضوح أحسن من شهر رمضان! فالمتتبع لما يكتب في هذا الشهر ولما يلقى خلاله من دروس وما يقدم من أحاديث وما ينظم من ندوات ككل سنة يلاحظ أنها جميعا لا تكاد تخرج، ولا يمكنها أن تخرج عن جملة محدودة من الآيات وعدد مألوف من الأحاديث، كلها خاصة بشهر الصيام وكلها أصبحت محفوظة مكرورة!.. فأي واعظ يتحدث مثلا عن هذا الشهر ولا يعيد على الأسماع الأية التي تقول “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، وأي مدرس يحدث الناس عن الصيام ولا يتعرض للحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”؟! إن هذه الأية وهذا الحديث يردان في كل درس وفي كل خطبة وفي كل حديث، وهذه الصورة الرتيبة تتكرر كل عام، وإن الإنسان العاقل ليتساءل أحيانا ماذا سيقول المسلمون في رمضان .. عن رمضان في المستقبل البعيد؟! إن هذه الآيات وهذه الأحاديث قد شرحت وفسرت وأشبعت بحثا وتحليلا ودرسا، فكيف إذن، والحقيقة هذه، ننتظر من مدرس أو واعظ أن يأتي بجديد في هذا الموضوع مادام القرآن نفسه محدودا؟!”
إن الإنسان الذي يجد نفسه أمام هذا المنطق المتهافت لا يملك إلا أن يقول: صدق الله العظيم، “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”!… وإلا، كيف لكاتب ومثقف أن ينساق وراء هذا الفهم الساذج وتغيب عنه حقيقة لا يحتاج إدراكها إلى التبحر في علوم القرآن الكريم وتفاسيره؟!
إن الذي نستنتجه من هذا”الكلام” أن المسلمين قد استنفذوا معاني آيات الصيام والأحاديث الخاصة به، وبعد زمان قد يطول أو يقصر يكونون قد استنفذوا معاني آيات الصلاة والزكاة والحج والأحاديث الخاصة بها، وهكذا حتى يأتي يوم لا يجد المسلمون فيه ما يقولونه لأن كل شيء حينئذ يكون قد أشبع “درسا وشرحا وتحليلا” كما قال!
جهل مفضوح بأكثر الحقائق الكلية وضوحا وبمفهوم الجديد والتجديد في التعامل مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم!
فمن منا لا يعرف ولا يحفظ وصف رسول الله للقرآن بأنه “لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد؟! ومعنى ذلك أن لآيات القرآن الكريم وللأحاديث النبوية الشريفة معاني”جوهرية”يتفق جميع المسلمين على حد أدنى مشترك بينها في كل عصر وجيل، غير أن لهذه الآيات والأحاديث نفسها معاني أخرى خفية تتكشف بمقادير وهي تواكب حيوات الأفراد والجماعات والأمم في تقدمها وتقهقرها وفي رقيها وانحطاطها، وأما أمر هذه المعاني الخفية اللطيفة فإنه موكول إلى علماء المسلمين المتعاقبين الذين يتميز بعضهم عن بعض بمقدار ما يستخلصون من هذه المعاني نفسها من حقائق وأحكام وعبر، تناسب طبائع عصورهم وتلائم أوضاع بيئاتهم ومجتمعاتهم وتلبي اهتماماتهم وتطلعاتهم!.. ولولا ذلك كله لما كان لتعدد تفاسير القرآن الكريم وشروح الحديث النبوي الشريف من معنى يذكر في عصر واحد، بل في جيل واحد وفي بيئة واحدة!
بمعنى أن القرآن الكريم الذي كان عمدة العلماء في عهد ازدهرت فيه علوم الفلسفة والمنطق مثلا وغلب فيه الجدل العقلي على غيره هو نفسه القرآن الذي ينطلق منه علماء آخرون في عصر آخر، سمة العلم الغالبة فيه مثلا هي الطب أو الفلك أو علوم الطبيعة، وهو نفسه الذي ينطلق منه علماء هذا العصر الذي تطورت فيه العلوم التجريبية والتكنولوجية والكشوف العلمية المختلفة التي كلما حققت انتصارا جديدا اتسع مجال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف!
فمقاييس الابتكار والتجديد تلتمس إذن عند من يتفاعلون مع الآيات والأحاديث “ليكيفوها” مع واقعهم المتميز، المتجدد، مهما يكن هذا التميز وهذا التعدد، لأن الإسلام هو الحياة والحياة لا تتجزأ، وهو يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان “بمنطق ضمني” لذلك الزمان وذلك المكان! والخلاصة أن العالم الحق أو الواعظ المقتدر يستطيع أن ينطلق في حديثه من أية أو حديث قد يبدو معناه محدودا في المجال أو أنه غير ذي صلة واضحة بالواقع الذي يعيشه، لكن هذا العالم أو هذا الواعظ يخلص في النهاية إلى ذلك الواقع نفسه بكل أبعاده وخصوصياته ومناخه، وكأن تلك الأية إنما نزلت فيه أو أن ذلك الحديث إنما قيل فيه! هذه الحقيقة القرآنية هي التي عبّر عنها المرحوم محمد البشير الإبراهيمي في إيجاز معجز عندما قال”القرآن لا يفسره إلا لسانان لسان العرب ولسان الزمان..!”
ولنأخذ الآن لهذا كله مثالا قريبا يوضحه، وليكن من تراثنا الجزائري الحديث!
قال الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله، بعد الفراغ من تفسيره لهذه الآية: ”حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيه النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون”، “هذه نملة وفت لقومها وأدت نحوهم واجبها، فكيف بالإنسان، العاقل فيما يجب عليه نحو قومه! هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه ولا يؤدي الواجب نحوهم ولمن يرى الخطر داهما لقومه فيسكت ويتعامى، ولمن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم!
آه ما أحوجنا – معشر المسلمين – إلى أمثال هذه النملة!”
فانظر إليه كيف استخلص من هذه الآية الكريمة ذات المعنى المحدود في الظاهر، ما يستجيب لأولوية الأولويات التي كان يمليها عليه واقع أمته ووطنه، ألا وهي تحريك الهمم واستنفارها وإعداد الجيل لتحرير الجزائر!
وانظر إليه كذلك عندما فرغ من شرحه لحديث نفث الريق “بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا”: يقول ذوو المنازع الوطنية ولو كانوا يدينون بالوثنية: آمنا بأن محمدا رسول اللهَ فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه تشفي من القروح والجروح ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدا من المحبة والإخلاص! فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي! فليس هذا الحديث إرشادا لمعنى طبي ولكنه درس في الوطنية عظيم! ..فليس السر في”تربة وريق ومرض” ولكن السر في “أرضنا وبعضنا ومريضنا!”.