النبي نبي وليس فقيرا ولا مليونيرا
لقد فوجئت بعد اطّلاعي على حلقات في قناة الشروق، من تقديم الأستاذ هشام زلاقي لموضوع حسّاس وخطير يشرح فيه الدكتور عبد الفتاح محمد السمان قناعته من خلال تصوّره أو فهمه بتتبعه لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتحديد ما يتعلّق بالجانب المالي الذي تملكه الرسول وصرفه في وجوه الخير والمعروف، وليس اللّوم في استقصاء هذا الجانب المهم وهو الجانب المالي من حياة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ولكن الأمر الذي استرعى انتباهنا وهزّ كياننا واستغربنا طرحه، وهو وصف النبي صلى الله عليه وسلم “بالنبي المليونير”، وقد أفادني الأستاذ هشام وهو يقدم الباحث مخبرا المشاهدين أنّ هذا الكتاب أثار ضجّة في أوساط العلماء، ولم يسعفن الحظ أن أطلع على هذه الضّجة سواء من مؤيد لها أو من مخالف، ولكن وأنا أسمع من الدكتور نفسه يقول “ليعلم المسلمون أن النبي كان غنيا مليونيرا ولم يكن فقيرا زاهدا”.
لا أشك في مقصد الدكتور النبيل وهو يريد أن يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحسن وصفه ويرفع منزلته، خاصة وهو يرى أنّ المسلمين توارث في أذهانهم نظرة ربط الزّهد بالفقر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو النبي الزاهد، وإذا ذُكر الزهد انعكس بالفهم على الفقر أيضا، ونحن إذ نشاطر الباحث في عدم الرضا بوصف الرسول فقيرا، لكن لا نوافقه في طريقة طرحه ومنهجية شرحه للوصول إلى نتيجة بحثه وهو أن النبي “مليونير“.
يجب أن يعتقد ويعلم كلّ مسلم آمن بالله وبرسوله الذي اصطفاه على الخَلق أجمعين ووصفه بالخُلق العظيم “وإنّك لعلى خُلق عظيم“، وأوجب عزّ وجل طاعة رسوله مع طاعته “وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول“، وحذّر من مخالفته “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” وكل تصرف وسلوك فيه عدم التوقير والتعظيم للنبي فسيكون مهلكة لصاحبها، قال تعالى “يا أيُّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون“، وإذا كان من المخاطبين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما …. فكيف بغيرهما من الأجيال اللاحقة ومنها نحن الغافلون!!
إنّ التعظيم للرّسول يستوجب علينا أن نصفه بما يليق بمقام النبوة ومهمة الرسالة، فلا نخلط بين الأوصاف المشتركة فيما بين الناس والنبي كذلك يشترك حقا مع الناس في بشريته، ولكن يختلف بأن الله اصطفاه ورفع منزلته فهو ليس كالناس، قال تعالى “قُل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ” فالذي يميزه عنا هو الوحي أو الرسالة أو النبوة، ومن تعليم القرآن للمؤمنين تنبيها لمنزلة النبي عند ربه، ومكانته الجليلة، حيث يخاطبه في جُلّ خطابه يا أيها الرسول أو يا أيها النبي ولم يذكر اسمه إلاّ في أربع مواطن لحكمة جليلة لذلك، وهو ما تربّى عليه الصحابة في خطاب الرسول بقولهم يا رسول الله، ثمّ الأجيال اللاحقة معظمين الرّسول في خطاباتهم وكلامهم، وقد ذهب العلماء في الدفاع عن النبي من خلال أسمائه وصفاته وأوصافه، محذّرين من أيّ وصف لا يليق بعظمة الرّسول وقدره الجليل.
وإذا تأمّلنا في أسمائه وصفاته وأوصافه فإنّنا نجدها ثلاثة:
الأولى: وهي الثابتة في الكتاب والسنة وبحكم رسالته ونبوّته.
والثانية: أوصاف حسنة يشترك فيها مع النّاس، ولكنّها في حقه أوصاف كاملة صادقة كالشجاع والكريم.
أوصاف يوصف بها الناس ولا تليق وصفا للنبي ومنها فقير، فإذا جاز أن نصف رجلا مسلما أو غير مسلم ومهما كانت منزلته فإن كان فقيرا يجوز أن نصفه بالفقير لأن وصفه حقيقة، أمّا في حق النبي فيُعد ذما فالرسول وإن أصابته حاجة فإنّ غناه الحقيقي من خلال منزلته النبوية ومقامه الرسالي، وفيض الوحي عليه، ومن جهة أخرى فالفقر في ذهن النّاس مرتبط بالضعف والعجز والمنزلة الدنيا في مجتمعه، وهذا بخلاف وصف الزّهد فإنّه وصف إيجابي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنّ الزاهد هو الذي يملك ويزهد فيما يملك، بل يزهد في الدّنيا كلها ورسولنا صلى الله عليه وسلم قدوة الزّهاد فهو القائل “مالي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح“، والأمر كذلك عندما نصفه بوصف عكس الأوّل، كما أراده الدّكتور بقوله
“النبي المليونير” فلو قال “النبي الغني“ لتقبّلنا الوصف على اعتبار أن الغنى له فروع وليس غنى المال فقط، أما لفظ المليونير فلا تليق بمقام النبوة وشرف الرسالة، والعلّة في ذلك أن إطلاق هذا الوصف في ثقافتنا البشرية الإنسانية التي تشترك فيها جميع المجتمعات على اختلاف أجيالها وأمصارها، ومنزلتها الاجتماعية، وأنواع ثقافتها، فإنهم كلهم إذا سمعوا لفظة “المليونير” أو كما صار عندنا “ملياردير” فإنّه يتبادر في كل ذهن أنه الشخص الثري الذي يأكل ما طاب ولذّ، ويشرب ما أشهى وأحلى، ويلبس القطيفة والديباج، وينام على الوثير، ويُغطّى الحرير، ويركب المراكب الفاهرة، ويسكن المنازل الفاخرة… فهو في منزلة فوق النّاس، ولا يُحس بحال النّاس وإن زعم التّواضع، وإن وُجد من بعضهم النزول إلى الناس، ومشاركتهم في الأكل، والتقرب لمعرفة أحوالهم ومعاناتهم….. لكن تبقى الحقيقة ونظرة النّاس وأفهام الناس أن هذا في منزلة غير منزلتهم، وفي عيش غير عيشهم، وفي أغلب الأحوال يمقتونه أو يكرهونه أو يحسدونه!!
فكيف يليق هذا الوصف للنبي وهو أغنى الأغنياء عن هذا الوصف؟
وهل بعد ما يزيد عن ألف وأربع مائة سنة يحتاج منا خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين، وخير الخلق أجمعين، أن نضيف له وصفا وقد وقف المادحون من الشعراء والخطباء والعظماء، فوصفوه واعترفوا بعجزهم عن وصفه، وأقروا له بالكمال والجمال، والخُلق العظيم وحتى الخصوم المنصفين ما وجدوا فيه منقصة ولا عيبا، وكل هذا يؤكد رفعة منزلته، وعلو شأنه في الدنيا والآخرة.
إن النبيّ عليه الصلاة والسّلام جاء رسولا هاديا، مبشرا ومنذرا، جاء معلما ومؤدبا، جاء رحمة للعالمين، وما كسبه من المال الكثير وصرفه فذاك من كمال إنسانيته وسياسته، وحكمته النبوية وخُلقه العظيم، فلا يجوز بحال أن نصفه بأنه مليونيرا وما شابه ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.