سكوت؟
يقول المثل العربي: “إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب”، والتعامل مع ملف مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، أخلط المعادن بين صمت السلطة أو تطمين بالإيحاءات والكلام المكرر من دون ملموس أصاب المواطنين بالمرض، وكلام نقل أصحابه إلى المتابعات، ضمن مزيج من المعادن لا فضّة فيها ولا ذهب.
وإذا كان معروفا أن الفراغ هو الذي يُولّد الشيء، والصمت هو الذي يدفع إلى الكلام، فإننا لا نفهم لماذا تصمت الدولة ضمن سياسة قديمة تبدو الآن أقرب إلى الموروث اللاصق في كروموزوماتها التي لا يمكن أن تتغير، وتطلب من الشعب أيضا أن يصمت، رغم أن الأمر يهمّ الجزائريين الذين يدعون ليل نهار أن يُشفى رئيسهم من مرض لا يعرفون تشخيصه الحقيقي، ولا مكان السرير الذي يرقد عليه بعد الوعكة الصحية التي ألمّت به في فترة هامة من حياتهم، في الوقت الذي ملأ هذا الفراغ، ضجيج قادم من مغارب الأرض ومن الإعلام الفرنسي بالخصوص.
يُعرف في الطب أن الاختبار الكلينيكي هو الذي يوصل إلى التشخيص الحقيقي للداء، والاختبار الكلينيكي يتركز على السؤال عن الأهل والخلان وعن حالتهم الصحية، لأن المريض جزء من عائلته وجيرانه، مرتبط عضويا ووجدانيا بالمحيطين من حوله، وسيصبح مرض الرئيس أخطر، عندما تكون حالة الشعب الذي لا يمكن أن ينكر ما قدّمه منذ أكثر من نصف قرن للبلاد، قد بلغت مستوى من الشك، الذي جعله لا يصدّق ما يقوله الوزير الأول، في عالم لم يعد يعتمد على الكلام وإنما على الصورة المتحركة، التي بإمكانها أن تجوب الكرة الأرضية في لمح البصر، والدليل على ذلك أن الدولة نفسها لا تصدّق نفسها، وتعلم أن الشعب لا يصدقها، وتصدق المصادر الفرنسية، وتعلم أن الشعب أيضا يصدقها، حيث سارعت إلى نقل تكذيب وسائل الإعلام الفرنسية للتصريحات التي أدلى بها الزميل هشام عبود، حول مكان تواجد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقدمت ما نقله موقع “بي.آف.آم” الإلكتروني نقلا عن وزارة الخارجية الفرنسية، عن تواجد الرئيس في فرنسا، كخبر يقين قدّمته على تصريح الوزير الأول عبد المالك سلال، لوكالة الأنباء الجزائرية، عندما قال أن مرض الرئيس سيصبح حدثا عابرا، وحتى الصحف الجزائرية بما فيها التابعة للدولة والقرّاء، اهتمّوا بخبر إلكتروني فرنسي ومنهم من لم يلتفت إطلاقا لتصريح الوزير الأول “الدكتور” عبد المالك سلال، الذي ارتدى المئزر الأبيض.
أكثر من ثلاثة أسابيع والبلد في غرفة الانعاش، رئيسه مريض والشعب مصاب بصداع الصمت، والسلطة تقدّم له بين الحين والآخر “مسكّنات” خفيفة، وهو يطلب المداواة من الإعلام الفرنسي الذي هو في حقيقته الداء، وكان بالإمكان اختصار كل هذا الوقت في صورة للرئيس وهو يتلقى العلاج، وستنسف الصورة كل الاشاعات وتنفجر الجزائر بصور التضامن، وتعلوا الأدعية لأجل شفاء رئيس اجتهد منذ نهاية القرن الماضي، لأجل مداواة البلد إلى أن مرض ومرض معه البلد.