ما يحدث حاليا من حراك سياسي مجرد “كرنفال في دشرة”
وجدناه في حديقة منزله البسيط يقلّم بعض الشجيرات ويحلق ذقنه في نفس الوقت، فتذكرنا خرجاته السياسية التي جعلته ظاهرة التعددية في بداية التسعينات، هل طلّق رابح بن الشريف صاحب نظرية بحيرة في الصحراء الجزائرية عالم السياسة أم انه الهدوء الذي تتبعه العاصفة؟، وهل يتفرج حاليا على المسرح السياسي، وهو الذي كان أحد ممثليه أم أنه نسي السياسة بعد أن نسيه الناس؟ أسئلة أجابنا عنها صاحب نظرية بحر في قلب الصحراء الجزائرية.
أين هو رابح بن الشريف حاليا؟
كما ترى أمارس حياتي بصفة عادية فقد دخلت عالم التقاعد بعد 32 سنة، قضيتها في البحث العلمي والتدريس في جامعة قسنطينة، قررت دخول الأعمال المهنية الحرة أما في مجال السياسة، فأنا أهتم حاليا بالتأليف الذي يتركز على تحليل التاريخ، يمكن اعتباري ملاحظا ومحللا لواقع الجزائر المبني على تاريخها، لأن ما وقع في صائفة 1962 هو عبارة عن خلاف بين جنرالات الثورة والحكومة المؤقتة أدى إلى تغلب العسكر الذين هم في الأصل مدنيون وسياسيون، أجبرتهم أحداث الثورة أن يتحولوا إلى عسكريين، وبقي العسكريون يمارسون السياسة والمشكلة موجودة في كل البلدان التحررية ومنها الفيتنام.
ما رأيك بصراحة في الحراك السياسي الحالي وظهور أحزاب جديدة؟
أنا أعتبر نفسي رجلا ضمن تاريخ التعددية في الجزائر، ولم أتوقف أبدا عن النشاط السياسي، ففي عام 1994 كوّنت التجمع الدستوري الذي ضم 17 حزبا ووقفنا مع الجيش لإنقاذ الجزائر، وفي عام 1995 ترشحت للرئاسيات، لكن في ذلك الوقت قام عضو من الحزب الوطني للتضامن والتنمية بتحريض من النظام، وقال بالحرف الواحد في التلفزيون: نحن مع زروال ضد رابح بن الشريف، وعندما طردنا هذا الشخص في مؤتمر الحزب نزعت عنا السلطة الاعتماد، ومنحوه لهذا الشخص، فاضمحل الحزب وذاب نهائيا، ويمكن القول إن الحزب الوطني للتضامن والتنمية هو أول حزب فتتوه، وبعد ذلك عملوا نفس الشيء مع أفلان المرحوم عبد الحميد مهري والإصلاح والنهضة مع الشيخ جاب الله، صراحة ما يحدث حاليا هو كرنفال في دشرة.
هل فعلا تمّ اقتراحك رئيسا للدولة؟
نعم حدث هذا في عام 1994 وتم في ندوة الوفاق الوطني وكانت المادة السادسة من أرضية الوفاق تنص على أن رئيس الدولة يعيّن عن طريق شركاء الحوار، وعندما عينت من طرف الشركاء بثلاثين صوتا مقابل صوت واحد كان للمرحوم محفوظ نحناح الذي قال بالحرف الواحد .. لن أمنحك صوتي لأن القضية خطيرة جدا لو صرت أنت رئيس دولة، النظام الذي قاد ندوة الوفاق وكان يرأس الندوة يوسف الخطيب وثلاثة ألوية غيّروا البند الذي كان ينص على أن رئيس الدولة يعيّن عن طريق شركاء الحوار واستبدل بأن رئيس الدولة يعيّن عن طريق مجلس أمني، وتم الاستعانة باليمين زروال، وأذكر أنه عندما دخلنا قصر نادي الصنوبر ونزلنا من الحافلة خاطبتني صحفية فرنسية من تي آف 1 قائلة: سيدي بن الشريف تم أمس تعيينك رئيس دولة من طرف الأحزاب، واليوم تم إقالتك بتغيير المادة، وحتى عندما سئل رئيس ندوة الوفاق الوطني يوسف الخطيب في 24 جانفي 1994 عن سبب تغيير المادة السادسة قال بالحرف الواحد .. لقد خفنا من بن الشريف أن يكون رئيسا.
هل ما زلت تؤمن ببحيرة الصحراء؟
هي أصبحت واقعا الآن لأن المياه الجوفية الموجودة لها طاقة تقدر بستين ألف مليار متر مكعب، أي 60 ألف مرة أكبر من طاقة سد بني هارون، في عام 2006 التقيت بالرئيس بوتفليقة، وساندته في ترشحه لعهدة ثانية وقلت له .. أنت رجل مجاهد قبل أن تكون رئيسا هل تترك تونس وليبيا تمتصان البحيرة العملاقة في الجنوب؟ والحمد لله كان الوزير سلال حاضرا، وانطلقت المشاريع الضخمة ومنها تحويل مياه عين صالح إلى تمنراست، ومياه تڤرت إلى المسيلة والجلفة ومياه تيميمون نحو عين صالح والمشرية، ويمكن القول إن الجزائر بإمكانها أن تستصلح 20 مليون هكتار من السهوب التي تكفي لإطعام إفريقيا بأكملها قمحا ولحما وحليبا وخضرا وفواكه، وقد تم منحي في تونس عضوية لأكون في لجنة ماستر في موضوع عن أبحاث في المياه الصحراوية الجوفية.
ماذا كنت ستقدمه لو كنت رئيسا؟
لو حكمت لجعلت الحكم في الجزائر برلمانيا وأترك لرئيس الدولة مهام التشريفات والعفو على المحكوم عليهم وحل البرلمان في حالة الانسداد السياسي، وقائدا للقوات المسلحة، أما رئيس الحكومة فيتم تعيينه عن طريق الأغلبية في البرلمان، وبما أن الشعب من يعين البرلمانيين، فمعنى ذلك أن الشعب هو الحاكم، للأسف معظم الأنظمة العربية تقوم بإحضار لا شيء، وهو شخص لا يفقه السياسة، وتحولّه إلى شيء بمنحه القدسية المزيفة، لقد كانت الجزائر سباقة فعلا في الديموقراطية، ولكن العشرين سنة الأخيرة أرجعتنا إلى الوراء فانقطاع المسار الانتخابي أضعف الرجال وفسد النظام، وصارت الرشوة أسلوب حياة مسكوت عنه، وفسد المجتمع بشكل لا مثيل له، وتعسفت السلطة على هياكل الدولة، وكمثال على ذلك هو تجميد إنشاء الأحزاب لمدة عشرين عاما، وهو تعدي على الدستور، ولا أرى فائدة للمجلس الدستوري الذي كان “خضرة فوق طعام” كما يقولون، حيث ينتهك الدستور في حضرة المجلس الدستوري.
عشت الربيع العربي؟
هي وصمة عار في كل الدول من دون استثناء، وهو تحقيق لمخطط بوش الخاص بالشرق الأوسط الجديد، من أجل حماية إسرائيل، يجب الاعتراف بأن الخطر الأكبر على الأمريكان هم الإسلاميون والغرب والولايات المتحدة، اقتنعوا بأن يساعدوا الآن الإسلاميين لبلوغ السلطة، حتى يتابعوا تحركهم في العلن، وحتى لا تتكرر بالنسبة لهم أحداث 11 سبتمبر.
وما رأيك في كوطة النساء في التشريعيات؟
هذه كارثة وفضيحة لم تحدث في تاريخ البشرية وفي أي بلد في العالم، فهي إهانة لحرية الأحزاب، وتعدّي على حرية الناخب وعلى حرية المرأة في نفس الوقت، في العالم الرجل يساوي المرأة ويساوي صوت انتخابي، صراحة لم أجد عبارة أصف بها ما قامت به الحكومة بالنسبة لكوطة النساء، ودعونا نعترف أن المرأة ناقصة سياسيا، بل أن الثقافة السياسية منعدمة لدى الرجال فما بالك بالنساء.
هل الجزائر اشتراكية أم رأسمالية؟
“يضحك كثيرا “.. أنا لا أفهم الاقتصاد الجزائري، ولا أظن أنه يوجد من يفهمه، والطامة الكبرى أنه تم تخفيض قيمة الدينار الجزائري بعشرة بالمئة من قيمته، وهو ما خلق الغلاء الفاحش الذي عصر جيب المواطن البسيط، وجعل الجزائر للأسف مزبلة لآسيا تصب فيها بضائع لا توجد فيها مواصفات البضاعة، ولا أفهم كيف نعطي حرية لبنك وهو ملك للدولة، لقد كسروا النظام الاقتصادي المنتج والدولة لا تحرك ساكنا والمستثمر الاقتصادي المنتج الذي يوظف العمال، ويضمن لهم القوت ويدفع الضرائب وما شابه ذلك بمجرد أن يعثر، حتى تحاصره الدولة، وربما تسجنه، بينما المؤسسات العمومية يتم إسعافها بالمال، والقوانين لا تطبق على الخواص والقطاع العام بنفس المعايير.