-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عائد‭ ‬من‭ ‬غزة

عبد الرزاق مقري
  • 3835
  • 22
عائد‭ ‬من‭ ‬غزة

كان السفر إلى غزة قبل الثورة المصرية ضربا من المغامرة، إن سلكت إليها طريق البحر عليك أن تستعد للمواجهة مع الصهاينة، وأن تعد نفسك لاحتمال القتل أو السجن. وإن قصدتها برّا عليك أن تتسلح بالصبر العظيم عند ملاقاة المصريين الرسميين، وأن تَخبر فنون المواجهة مع كذبهم وظلمهم واحتيالهم. ولئن بقي ركوب البحر إلى غزة مستحيلا اليوم فإن دروب البر تحسّن حالُها، ولم تعد أبوابُها محكمة الإغلاق كما كانت عليه. حينما مُنع أسطول الحرية الثاني من الانطلاق من موانئ اليونان في جويلية الماضي بعد رفض الأتراك تكرار تجربة »مرمرة« وبعد أن تواطأت دول العالم العربي والغربي على رفض خروج سفن كسر الحصار من كل موانئ الدنيا، تمّ نقل المساعدات والنشطاء برا مع قافلة »أميال من الابتسامات« إحدى المنظمات العاملة مع اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة.

  • أجمع المشاركون في رحلة »أميال من الابتسامات 7« بأنها كانت رحلة مميزة لا يمحو ذكراها الزمن. لقد كانت رحلة مليئة بالبهجة والفرح والسرور، مرت أيامها العشرة ولياليها كالبرق الوميض، لم يذكر فيها المشاركون من مختلف الجنسيات أهلهم وذويهم رغم أن الأيام أيام عيد. من الطبيعي أن يفرح الناس بالعيد وأن ينسوا مآسيهم ويؤجلوا أحزانهم، ولكن أجواء الفرح في غزة كانت فريدة ومميزة، مليئة بمشاعر الحب والمرحمة، والعزة والكرامة، والحماسة المتقدة للبذل والعطاء، والأمل العريض بمستقبل زاهر لفلسطين والأمة جمعاء. لقد دخلت قافلة الابتسامات‭ ‬غزة‭ ‬بعد‭ ‬صفقة‭ ‬تحرير‭ ‬الأسرى‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى‭ ‬وفي‭ ‬أجواء‭ ‬المصالحة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فكانت‭ ‬أفراحا‭ ‬فوقها‭ ‬أفراح‭ ‬فوقها‭ ‬أفراح‭.‬

    لم نر شيئا في غزة يعتز به أهلُها كاعتزازهم بمقاومتهم وصمودهم وبكتائبهم القسّامية. لقد ضُرب الحصار عليهم لكسر إرادتهم ولقلبهم على قيادتهم فجاءت صفقة الأسرى فرسخت خيار المقاومة وعمّقت ارتباط الناس بها. لقد رأينا أبطالا غُيّبوا في السجون وحُكم عليهم بمؤبدّات عديدة لدفن حلمِهم وحلم أهليهم بالخروج ذات يوم، فإذا بهم يعودون إلى ديارهم معززين مكرمين بفعل المقاومة وتضحيات رجالها. حينما صاحبنا القائد هنيّة للمعايدة على الأسرى المحررين وعلى أُسرهم رأينا في هؤلاء الأبطال إصرارا على الاستمرار في الطريق التي من أجلها دخلوا السجون حتى تحرير كل الأسرى الباقين، وتحرير الأرض والمقدسات. ومن غرائب ما رأينا أن من بين المحررين شبابا كثرا قيل لنا بأنهم قضوا العشر والعشرين سنة في السجن، وعندما سألنا: كيف ذاك؟ قيل: لقد أُخِذوا إلى السجن وهم أطفال صغار.. فقلنا لبعضنا البعض: كيف لشعب أطفاله يكافحون كما رجالهم يحاربون، ونساؤهم يقاومن كما شيوخهم يجاهدون أن يُغلَبوا أو يقهروا؟ وحينما صاحبنا عددا من القيادات الدعوية والسياسية لحركة حماس إلى مواقع الرباط، في دجى الليل، لتكريم وتشجيع المجاهدين، وجدنا أنفسنا مرة أخرى قبالة شباب، دون العشرين وفوق‭ ‬العشرين‭ ‬بقليل،‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬شجعنا‭ ‬وأكرمنا‭ ‬بقدّهم‭ ‬السوي‭ ‬وتواضعهم‭ ‬العلي‭ ‬وبالنور‭ ‬المشع‭ ‬من‭ ‬وجوههم‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬الليل‭ ‬العتيم‭.‬

    ذات الشعور بالعزة والصمود والاستعداد للتضحية الذي رأيناه عند الأسرى المحررين وأسرهم، وعند القساميين في رباطهم، رأيناه لدى أسر الشهداء عند زيارتهم مع رئيس الوزراء هنيّة. من بيت الشيخ أحمد ياسين إلى بيت الرنتيسي، فالمقادمة، فصيام، فنِزار، فغيرهم… كلما دخلت بيتا من هذه البيوت الشامخة تشعر بأن المقاومة ذهبت بعيدا في نفوس أهل هذه الأرض المجاهدة، وأنها مستقرة فيهم حتى التحرير بحول الله. بل حتى أولئك الأطفال الجرحى والمعطوبون، الذين قُصفوا في معركة الفرقان الأخيرة، يشعرونك بأنك أمام جيل تؤلمه الإصابات، ولا شك، ولكنها لا تنزع منه العزيمة على الانتقام من العدو المحتل. لا تقدر على ردِّ دموعك حينما يقف أمامك أطفال عائلة السمّوني بعاهاتهم الأبدية، وحينما يحكون لك بأنفسهم كيف جُمعت عائلاتهم في مكان واحد ثم قصفوا جميعا بلا شفقة! ولكنك مع ذلك تكاد تحلق في السماء طربا حين‭ ‬تسمع‭ ‬منهم‭ ‬عبارات‭ ‬الصبر‭ ‬والثناء‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والثبات‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والاستعداد‭ ‬للتضحيات‭ ‬تلو‭ ‬التضحيات‭.‬

    لم تقعد هذه التضحيات هذا الشعبَ العظيم، ولم تركنه إلى الأسفل عضّات الحصار الآثمة. حينما أُغلقت عليه منافذُ سطح الأرض كلها ليجوع فيتسوّل ويتوسّل عدوَّه، دفعته كرامته ليحفر تحت الأرض، فأبدع وسيلة هي معجزة بكل المقاييس، هزم بها حصاره وخيّب ظن عدوه، بل أصبح بها أكثر قوة ومنعة. لم يحك التاريخ صنعة دُوِّنت في سجِّله كصنعة الأنفاق التي أبدعها الفلسطينيون. لم نكن نظن أن الأنفاق التي ذاع صيتها بذلك الإبداع والإتقان والتنظيم. إن قصدت الأنفاق الخدمية ترى عجبا وإن قصدت الأنفاق العسكرية تصعقك المعجزة. أما الأنفاق الخدمية فهي بادية للناس، قد يُسعفك الحظ لولوجها إن شئت، وإذا سمح لك القائم عليها بذلك، فترى عالما من السلع لا يتوقف عن الحراك، كل شيء يدخل من مصر عبر الأنفاق. فمن الأنفاق ما هو تابع للقطاع العام؛ تسهر عليه الحكومة؛ ومنها ما هو تابع للقطاع الخاص؛ يسيره أصحابه وفق النظام، ومن الأنفاق ما هو متخصص في الوقود، ومنها ما هو متخصص في الإسمنت والحديد، ومنها ما هو متخصص في المواد الغذائية، ومنها ما هو متخصص لنقل الأشخاص، وغير ذلك من الاختصاصات… وأما الأنفاق العسكرية فهي ممنوعة على الجميع، ولا يراها الناس، ولكن من رآها يحكي عنها الأعاجيب! لم يتقوف القسّاميون عن تشييدها منذ نهاية حرب الفرقان، يشتغل فيها فريق بعد فريق على مدار الساعة بلا توقف، بطرق علمية فائقة في الإبداع، حتى تحولت إلى متاهة متشابكة ممتدة إلى جميع باطن غزة، مجهزة بكل ما يساعد على الصمود، وبما يحقق النصر على الصهاينة في أي مواجهة قادمة بحول الله. يحكي بعض من رآها بأنها إنجاز يتجاوز القدرة البشرية، وأن هؤلاء الذين يبنونها تصاحبهم في بنيانهم الملائكة. ويحكي القسّاميون بأن مجرد وصول أخبار هذا الإنجاز لجيش الاحتلال كوّن قوّة ردع جعلته ينظر إلى عمق غزة كمصيدة لجنوده‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬اقتحام‭ ‬جديد‭ ‬تحدثه‭ ‬بها‭ ‬نفسه‭.           ‬

     لقد أخذ الحصار في التلاشي بهذا الصمود والإبداع فعلا. لم يصبح الحديث اليوم عن دعم أهل غزة من أجل كسر الحصار فحسب، بل المطلوب اليوم مع ذلك هو دعم استمرار الصمود وتشجيع الإبداع لتحقيق التنمية وصناعة النموذج. لقد رأينا في غزة معاهد وكليات ومستشفيات ومستثمرات فلاحية ومؤسسات خدمية ومراكز دراسات ومنظمات مدنية، لم نر في جمالها وتنظيمها وحسن إدارتها مثلها في العديد من البلاد العربية. لا يزعم أحد بأن هذه المنجزات الإبداعية تفي بحاجات الفلسطينيين المتصاعدة، فهي قليلة العدد ولا تقوم إلا على المساعدات الخارجية التي إن توقفت توقف كل شيء، ولكنها بكل تأكيد تؤشر على رشد الإنسان الفلسطيني المقاوم ونزاهته. لقد رأينا بأعيننا بأن المساعدات التي وصلت غزة وُضعت في أياد أمينة حوّلتها عقول راشدة إلى إنجازات خارقة ومؤسسات منتجة تبشر بأن هذه القطعة الغالية من فلسطين المباركة في طور صناعة‭ ‬نموذج‭ ‬صالح‭ ‬سيُعمّم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬بلاد‭ ‬الرباط‭ ‬حين‭ ‬تتحد‭ ‬أجزاؤها‭ ‬وتُحرر‭ ‬أرضُها‭.  ‬

    إن المجتمع الفلسطيني المقاوم أهل لكل دعم، فقضيته قضية عادلة، وروح الكفاح والجهاد في شعبه هي الغالبة، والإنسان في هذا الشعب عفيف في عمومه، كريم ذكي شهم قد صقلته المقاومة، وهو مع ذلك متواضع معتدل المزاج بعيد عن التطرف والتعنت. رغم انتشار الفقر والبطالة وفشو مظاهر الحرمان والحاجة لا تكاد تجد أحدا يتسوّل في الطريق. وإن طلب أحد منك دعما فإنما يطلبه لمشروع يستفيد منه العديد من الناس. وأحسن ما في هذا الشعب شبابه الذي لقيناه، يأمل في الحياة، ويكافح من أجل البقاء، ويطمح للمعالي، لم يكسره العوز ولم تذله البطالة، يتحدث إليك الأطفال وكأنهم رجال، ويحدثك الشباب وكأنهم قادة حتى يجعلوك تأنس بهم وتقنع بأهليتهم فتقرر العيش لدعمهم حتى كسر الحصار كله وتحرير الأرض والمسجد الأقصى… وهم على ذلك قادرون بحول الله العلي العظيم.          

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
22
  • أم حنان

    بارك الله فيكم يا رجال الجزائر

  • فايق

    ياو لوكان بقفيت ثم واش مرجعك ؟ ياو خير لك من التنيفيق نتاع بوجرة والتطبال انتاع الحمسيين لماذا لم تبق هناك للمرابطة و الجهاد ؟؟؟

  • moncef

    merci, c'est un premier pas pour d'autres inchaallah

  • sihem

    تحية الإسلام أحييكم فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بارك الله في سعيكم لنصرة إخواننا في غزة ، ونحن بدورنا ندعوا لهم بالنصر القريب لرد القدس الشريف وكامل أرض فلسطين ، وفقنا الله لنكون أمة واحدة .

  • رضوان

    جزاك الله كل خير ..اللهم ارفع راية الحق في كل مكان

  • أم الهيثم :الطارف

    سلام على رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه،إن كلامكم دكتور هز كياننا وأدمع مآقينا،أنتم من نعتز بهم في زمن عز أن ترى فيه من صدقوا الله فصدقهم الله،حملت أرواحنا بعبيرلفظك إلى غزة الحبييبة ومنها إلى أقصانا الجريح...بعثت فينا عزما على مواصلة الدرب حتى تحرير فلسطين كل فلسطين...فألف شكر لك سيدي وبورك في جهودكم وقوى الله عزيمتكم وألف ألف شكر لإخواننا في أرض الرباط لأنهم علمونا معنى الرباط وعلمونا كيف نحيا في الدنيا وعيوننا معلقة بجنان الخلد.

  • أمـــينة

    السّلآمُ عليكم والرّحمــة والبركـة ,,
    بــآرك الله فيك دكتورنـآ جزآكم الله كل خير وفضل منه
    طمّنتنا على الأحباب في غزة الأحرار وعيّشتنا الواقع من كل جوانبه
    ضاعفت فينا حبّ المُقــاومة ويقين الفلاح والانتصار
    شُكرا لكم

  • fa

    بارك الله فيكم جميعا ولكنكم ىنقصكم الا علام فانكم تذهبون سرا لانسمع الابعدرؤيتكم في الفضايءات ام انكم انانيون وتحبوا ان تنفردوا بالاجر الا يوجد في قري الجزاءرمن يحب غزة ؟

  • فاطمة الزهراء

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    بارك الله فيكم جميعا وبارك فيك ولك أستاذنا الفاضل لكم أشتاق الى زيارة الحبيبة غزة
    واليوم انت تأخذنا في جولة قصيرة لكنها رائعة خاصة حين تكلمت عن الأنفاق كلماتك رائعة هزتني وكلامك عن الصمود والصبر والمقاومة كان أروع
    بوركتم وكحل الله عيوننا وعيونكم بالاقصى الحبيب الغالي ورزقنا ورزقكم صلاة فيه ولو تكون الاخيرة
    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

  • أبو حسام

    جزى الله خيرا كل من ساهم في هذه الزيارة لتأدية بعضا منواجب الوقت تجاه إخواننا في فلسطين الصامدة

  • كمال عثمان

    جزاك الله خيرا

  • بدون اسم

    اللهم ارحم اخواننا يا رب

  • سرور

    ما شاء الله ......لقد قلنا في نفوسنا يا ليتنا كنا معكم يها أحاسيس راقية فيها الكثير من العطف و روح الحرية.فلسطين حبنا جميعااا و كما هنالك مجاهدون هناك في ارض الرباط فنحن هنا نجاهد بقلوبنا معهم و لو تواتت الفرصة لذهبنا معهم هنااك
    عودة مينونة دكتورنا الفاضل و تحية لكل الوفد

  • youcef

    Bravo monsieur Makeri pour ce voyage à Gaza vous êtes les meilleurs et que Dieu vous garde ainsi que tous les musulmans et qu'il protège nos frères de Gaza

  • فاروق

    بارك الله فيك دكتور مقري ..نقلت انا صورة مشرفة جدا عن اخوانا في غزة المرابطة ...ربي يجعلهالكم فميزان حسناتكم ....و اذا رحتو لمرة الجاية ادونا معاكم ..ج ترجيح ولاية مدية

  • بدون اسم

    حاجة مليحة

  • أبو أنس الزنـــــاتي

    بارك الله فيك وفيمن ذهب الى غـــــزة العزة صحيح أن هؤلاء انتصروا بفضل الله ثم القيادة الحكيمة لحماس رغم التواطؤ العربي شكرا لكم في حركة مجتمع السلمو شكرا للشعب الجزائري البطل الطي يناصر دائمــــــافلسطين

  • sousou

    بارك الله فيك دكتور مقري لقد أخذتنا في رحلة جميلة الى أهلنا في غزة وقد بعثت في نفوسنا مشاعر لا توصف تجاههم أكثر مما كنا عليه فجزاك الله عنا خير الجزاء وهنيأ لكم هذه الرحلة المباركة

  • بدون اسم

    الله يكون في عونهم ...الله مكن معهم اللهم معليك باليهود الغاصبين والنصارئ الظالمين ............اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااامين

  • سمير فارس

    شكرا لقد شرفتم الجزائر وقمتم بالواجب
    مامن قافلة الا وتسجل الجزائر حضورا رياديا
    معا حتى تحرير الاقصى المبارك
    شكراااااا د مقري

  • أبوصلاح

    أيدكم الله أهلنا في غزة وبارك الله في كل يد تمتد بالخير لهذا البلد الصامد صمود الأحرار. الله أكبر ولله الحمد .

  • خليفة من تيسمسيلت

    أحييك أولا على أسلوبك المشوق شعرت وأنا أقرأ المقال وكأنني أقوم بجولة في غزة
    جملة في المقال جعلتني أنتشي عزة وكرامة *لا تكاد تجد أحدا يتسول في الطريق* كيف لإسرائيل أن تقهر شعبا مثل هذا
    طمأنتنا على أهلنا في غزة لن نخاف عليهم بعد اليوم