صورٌ من العقاب الجماعي للجزائريين!

date 2017/08/12 views 2870 comments 11

عادةً ما يتهم المواطنون السلطة بمعاقبتهم جماعيا على أخطاء ليس لهم أدنى مسؤولية عنها، مثل حملهم على دفع ثمن سوء تسيير مداخيل الطفرة النفطية من خلال إقرار زيادات في مجمل الرسوم والضرائب والأسعار في السنتين الأخيرتين لمواجهة الأزمة المالية الناجمة عن انهيار أسعار النفط، أو معاقبة عشرات الآلاف من المسافرين باختناق مروري يدوم ساعات في كل مرة بسبب غلق مداخل العاصمة كلما تعلّق الأمر بحركةٍ احتجاجية للحؤول دون وصول المحتجين إلى وجهتهم، فتضيع بذلك مصالح ملحّة لمواطنين، وأيام عمل ثمينة، في وقتٍ يحسب فيه الغرب إطلاق أقماره الصناعية إلى الفضاء بالثانية!

لكن ماذا عن العقاب الجماعي الذي يمارسه مواطنون في حق مواطنين بسطاء مثلهم؟ الأمثلة أصعب من أن تُحصى لذلك سنكتفي بأربعةٍ منها وقعت في الأيام الأخيرة فقط.

منذ أيام، أقدم مواطنون على غلق الطريق الوطني بين تادمايت وتيزي وزو عدة ساعات لإجبار السلطة على معالجة أزمتيْ نقص مياه الشرب والانقطاع المتكرر للكهرباء بإحدى قرى تادمايت، وعانى آلاف المسافرين الأمرَّين تحت درجة حرارة ورطوبة عاليتين، ولم يرحم المحتجّون شيخا ولا امرأة ولا طفلا، بل لم يرحموا حتى عجوزا في الـ72 من عمرها كانت في طريقها إلى المستشفى للخضوع لجلسة غسيل كلوي، ما أدى إلى وفاتها في النهاية داخل سيارة إسعاف! 

وفي الجلفة، أقدم المئات من الأطباء والممرضين والإداريين على تقديم استقالة جماعية احتجاجا على حبس 5 من زملائهم المتهمين بالتسبب في وفاة حامل ومولودها بعد أن رفضت ثلاثة مستشفيات استقبالها، وهذا لإجبار السلطة على إطلاق سراح زملائهم دون أن يخضعوا للمحاكمة، ولسنا ندري ما دخلُ آلاف المرضى في نزاعهم مع السلطة حتى يعاقبهم هؤلاء "المستقيلون" بحرمانهم من حقهم الدستوري في العلاج؟! 

وفي العديد من غابات الوطن، ألقي القبضُ على مواطنين متلبِّسين بإشعال الحرائق، وتبيّن أن بعضهم كان يريد تحويلها إلى محاجر، أو الحصول على عقارات جديدة يبزنسُ بها، أو تعويضاتٍ مُجزية من الدولة، ليعاقبوا بذلك ملايين المواطنين في 17 ولاية بحرارةٍ لا تطاق، وإتلاف غطاء غابي مهمّ للتوازن البيئي، وحرق حيوانات ونباتات نادرة مصنّفة دوليا، بل وقتل بضعة مواطنين حرقاً بسكيكدة وتيزي وزو، فأرواح الجزائريين تهون عند هؤلاء الانتهازيين إذا كان المقابل هو المزيد من المكاسب والغنائم! 

وفي البليدة، ألقي القبضُ على عددٍ من الفلاحين وهم يسقون أراضيهم الزراعية بمياه الصرف الصحي، دون اكتراثٍ بالأمراض الخطيرة التي ستسبّبها منتجاتهم الموبوءة للمستهلكين، وبذلك لا يختلف هؤلاء في شيء عن أقرانهم الذين "ينفخون" خُضرهم وفواكههم أو يسمِّنون مواشيهم ودواجنهم بحقنها بمواد كيميائية تسبّب للمواطنين أمراضا فتاكة، ولا يختلفون عن اللصوص والغشاشين والفاسدين من كل صنف، وعن مهرّبي أطنان المخدِّرات الذين يجنون الملايير من تدمير حياة ملايين الشباب... فالمهمّ هو تحقيق أرباح كبيرة ولو بالسُّحت وليذهب المواطنون إلى الجحيم!

هي مجرّد عيّنات بسيطة تؤكّد إلى أيّ مدى تفشّت الأنانية في أوساط المواطنين وعمّ الإفلاسُ الأخلاقي وتراجع الوازع الديني وتفسَّخ المجتمع، فمن أجل إجبار السلطة على تحقيق مطالبهم، المشروعة منها وغير المشروعة، أو بغية تحقيق أرباح ومكاسب سريعة، يعاقب مواطنون مواطنين بسطاء مثلهم بكل برودة دم أو يرغمونهم على دفع ثمن طمعهم أو أخطاء غيرهم...

إذن، ينبغي أن نلوم أنفسنا أيضاً كما نلوم السلطة، و"كما تكونوا يُولّ عليكم". 

  • print