إما مع القدس وإما مع أورشليم!

date 2017/12/05 views 1601 comments 0

المسلمون الطيبون يمسكون قلوبهم بأيديهم يخشون أن يفعلها ترمب ويعلن القدس "عاصمة أبدية لدولة اسرائيل".. وكثير من الساسة العرب والمسلمين يحضِّرون بيانات استنكارهم أو توسلهم بأن لا يفعلها ترمب، وبعض وعاظ المسجد ينتظرون يوم الجمعة، وقد أعدوا للغة سرجها تقعرا في الكلمات وتفذلكا بالعبارات.. حتى هؤلاء لن يكونوا جميعا بعد أن أفتى من يتكئون إلى جدار البيت الحرام بأن أمريكا سبب الأمن والاستقرار في العالم وأن لا مشكلة لهم مع بني صهيون..

ستعتصر أفئدة الكثيرين ألما وحسرة على القدس وأزقته ومبانيه وحجارته المباركة.. ينتظرون حكامهم ليفعلوا شيئا ويستبعدوا أن يفعلها ترمب ويدعون ربهم أن لا تلحق المهانة بهم أكثر مما لحقت.. ولكنهم ينسون أن النكبة اكتملت حلقاتها منذ زمن طويل، فماذا بقي من القدس بعد أن جرف الصهاينة حارة المغاربة وحوّلوا حائط البراق إلى "حائط مبكى" وجرفوا مقابر الصحابة وأولياء الله الصالحين وهجَّروا المقدسيين وهدموا بيوتهم وحرموهم من البناء، وأسكنوا في القدس وبيت المقدس يهودا مجلوبين من شتى الأصقاع في أخطر وأكبر عملية إحلال استيطاني؟ ماذا تبقى من القدس ليبكي المسلمون على ضياعه؟

ولعل شعوب الأمة أصبحت في حكم اليقين أن أقصى ما يمكن أن تتخذه منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية هو إصدار بيان يتوسلون فيه أن تدرس الولايات المتحدة خطورة النتائج وأن ينهوه بتوسل للرئيس الأمريكي أن لا يفعلها، وهذا أغلب الظن ما سيصدر اليوم الثلاثاء عن الاجتماع المزمع عقده في مقر الجامعة العربية.. في حين تتواصل الهرولة الرسمية العربية والانخراط في مشاريع مشبوهة لفرض صيغ تسوية على الفلسطينيين بقبول القليل من حقهم في ظل الحصار وإدارة الظهر لهم بل وشيطنتهم.

أما أن يستغرب المسلمون الطيبون والعرب المقهورون إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على فعل ذلك، فهذا يعني بوضوح أن الرسالة الاستعمارية الغاشمة لم تصل إلى وعي نخب الأمة السياسية والثقافية ولم يستقر بعد في الوجدان العربي والإسلامي حقيقة توجهات الإدارات الأمريكية عبر عشرات السنين..

ترمب والإدارة الأمريكية غير مستعدين أن يراعوا عواطف المسلمين ولا يتأثرون كثيرا أو قليلا بتوسلاتهم.. فالمسألة لها علاقة بخط سير استراتيجي يقضي بالتفرغ من عناصر القوة في الأمة وإسقاطها أرضا وقهرها معنويا والزج بها في متاهة اليأس والاندحار.

الإدارات الأمريكية المتعاقبة دمرت العراق وأفغانستان والصومال وسورية وزوّدت ولا تزال الكيان الصهيوني بأخطر أسلحة الإبادة لتقتل وتشرد الفلسطينيين واللبنانيين، ولقد ارتكبت الإدارات الأمريكية من جرائم حقوق الإنسان ما تنوء عن حمله المذكرات والكتب.. الإدارات الأمريكية بكل عنجهية تعارض موقف الأمم المتحدة بدولها الـ 150 ضد إلحاق القدس بالكيان الصهيوني.

فليفعلها ترمب كما فعلها من قبل الصليبيون الفرنجة وحولوا المسجد الأقصى إلى اسطبل لخيولهم عشرات السنين.. ولكن فليكن واضحا أن التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة ولا يستطيع أحد أن يرهن حركته، فهو صاعد وهابط وينتقل بمراكز فعله من موقع إلى آخر ومن أمة إلى أخرى.. وليكن واضحا أن تصريح ترمب المتوقع لن يزيد في الأمر شيئا، لأننا لا ننتظر منه إلا الشر.. وليكن واضحا أن موقفه هذا يمنح الفلسطينيين ابعادا إضافية للثورة كما أنه يمنح العرب والمسلمين مواقفَ تصبح مرجعية؛ فبعد الآن تصبح صداقة أمريكا جريمة كما يصبح عدم الدفاع عن القدس والأقصى جريمة.. بعد الآن لا مجال للكلام الرمادي ولغة الخشب فإما مع القدس وإما مع اورشليم.. تولانا الله برحمته.

  • print