صرعى "الحبّ".. بين عالم الفايسبوك والواقع

date 2018/02/13 views 2357 comments 0

حُقّ لزماننا هذا الذي نعيش أيامه وسنواته أن يوصف بأنّه زمان المحن والفتن؛ محن قاتلة حاقت بأمّة الإسلام، وفتن سوداء مظلمة فُتحت أبوابُها على المسلمين عامّة وعلى شباب الأمّة خاصّة، ليتحوّلوا عن حمل همّ دينهم وأمّتهم، وعن الجدّ في تحصيل ما يُصلح دنياهم، إلى العبودية للمظاهر والشّهوات والعكوف على السّفاسف والترّهات..

الأمّة تعيش نكبة قلّ أن يعرف التاريخ لها نظيرا، وهي في أمسّ الحاجة إلى شباب أصحاب همم عالية ونفوس أبية، تتطلّع إلى رفع الظّلم والضّيم عن هذه الأمّة التي ذلّت وهانت وتداعت عليها الأمم، لكنّ كثيرا من شباب هذه الأمّة تعرّضوا ولا يزالون يتعرّضون لمؤامرات تحترف مكر اللّيل والنّهار لتحوّلهم إلى أصفار على الشّمال، لا همّ لهم إلا المآكل والمظاهر والملاعب والشّهوات.

في الوقت الذي تنادي فيه الأمّهات المفجوعات والأخوات المكلومات في فلسطين وبورما وسوريا والعراق واليمن: هل من عمر؟ هل من عليّ؟ هل من خالد؟ هل من صلاح؟ هل من معتصم؟ تُفجع الأمّة بكثير من شبابها صرعى أوهام لا نهاية لها. لعلّ من أشدّها فتكا، وهم هذا "الحبّ" المرتبط بالمظاهر.

 

الهوى الذي هوى بفتياتنا وشبابنا إلى الهاوية

لقد هوى "الحبّ" بفتيات مسلمات مؤمنات إلى الهاوية وحوّل من حوّل منهنّ إلى خرق بالية، وأَسقط شبابا من العلياء إلى الغبراء، وجرّدهم من رجولتهم وجعلهم يتحوّلون إلى أنصاف وأعشار رجال، يُنافسون الفتيات المستهترات في الرقّة والتدلّل، والتغنّج والتذلّل، حتى بلغ الأمر خلال السّنوات الأخيرة أن أصبح التخنّث والتشبّه بالنّساء موضة بين بعض الشّباب؛ يلمّعون شعورهم ووجوههم وينمّصون حواجبهم وربّما يستعملون "الماكياج" ويتمايلون في مشيهم ويرقّقون كلماتهم، ولا يتورّع الواحد منهم عن تمطيط شفتيه وتحريك عينيه وحاجبيه إذا تكلّم.. كلّ هذا بسبب التّمادي في كسر الحواجز، وبسبب الاختلاط المبتذل في الواقع وفي المواقع، حتى ما عاد التحفّظ وما عادت العفّة والإباء تعني شيئا لدى بعض فتياتنا، وما عادت الرّجولة تعني شيئا بالنّسبة إلى بعض شبابنا، بل وما عاد الجدّ في الحياة يعني لهم شيئا.

تجد الشابّ تمرّ به بعض السّنوات وهو جادّ في حياته، مهتمّ بمستقبله، لكنّه فجأة يتحوّل إلى شابّ متشائم متعلّل، وتجد الشابّ مثابرا في دراسته مجدا مجتهدا، لا همّ له إلا أن يدخل السّرور على قلبي والديه بنتائجه، ولكنّه فجأة يتحوّل إلى شاب كسول خامل لا تطاوعه نفسه على فتح كرّاس أو كتاب، بل يختلق الأسباب والمعاذير ليغيب عن دراسته، والسّبب في كلّ هذا أنّ شياطين الإنس والجنّ قد أوقعوه في مصيدة هذا "الحبّ". ربّما تكون البداية من نظرة فتاة لعوب مستهترة، وربّما تكون من صديق أغراه بدخول هذا العالم المجهول وأعطاه رقم هاتف غافلة من الغافلات أو عنوان حساب لاهية من اللاهيات على موقع الفايسبوك.

لقد نسي بعض شبابنا دينهم وأمّتهم وتركوا الصّلاة وهجروا المساجد والقرآن بسبب وهم الحبّ، وعقّ بعضهم والديهم بسببه، بل قد سمعنا وقرأنا عن فتيات تأخذ الواحدة منهنّ مال أبيها وحليّ أمّها لتنفق على خليلها، هذا فضلا عن فواتير الهاتف الذي لا تنقطع اتّصالاته بالنّهار ولا باللّيل؛ تنفق على شابّ بطّال لا هو في شغل دينه ولا في شغل دنياه، يأخذ مالها باسم الحبّ، بل ربّما يهدر عفّتها باسمه، ثمّ يرميها كما يرمي السيجارة على قارعة الطّريق. وسمعنا في المقابل عن شباب يبخل الواحد منهم عن والديه بمبلغ زهيد، ولكنّه ينفق على خليلته الأموال الطّائلة، ويبخل عن والديه بابتسامة حانية أو اتّصال هاتفيّ يدخل السّرور على قلبيهما، بينما يجلس السّاعات كلّ يوم يحدّث ويضاحك خليلته.

 

مسلمون يحتفُون بالفالنتين! 

نعود إلى الكتابة في هذا الموضوع الحسّاس، في يوم الفالنتين، أو ما يسمّى عيد الحبّ، الموافق للرابع عشر من شهر فيفري من كلّ عام؛ هذا اليوم الذي يُعدّ يوما مهمًّا بل عيدا من أعياد النّصارى يرتبط بقدّيس من قدّيسيهم عاش في القرن الثالث الميلاديّ، يدعى القدّيس فالنتين، يوم لم يكن يسمع به سوى قلّة قليلة من الشّباب المستهترين في بلادنا، لكنّه في السنوات الأخيرة ومع الانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعيّ، أصبح "الفالنتين" يوما معروفا، تتنافس فيه المكتبات والمحلات في بيع الورود والزهور الاصطناعية، وبيع الشكولاطة والحلوى المصنوعة على شكل قلوب، ويتبادل بعض الشباب المستهترين الصور والأشعار مع الفتيات المستهترات، على مواقع التواصل الاجتماعيّ. 

 

مواقع التّواصل توسّع الخرق 

في سنوات مضت كانت القنوات وما تقدّمه من أغان ومسلسلات تحوم حول الحبّ، هي السّبب في دخول كثير من شباب وفتيات هذه الأمّة إلى عالم العلاقات والعواطف الذي أنشأ لنا جيلا من الشّباب يعيشون بعيدا عن واقع أمّتهم، وبعيدا عن كلّ ما يقيم دينهم وينفعهم في دنياهم.. أمّا في السّنوات الأخيرة، فإنّ السّبب في ولوج كثير من شباب هذه الأمّة إلى عالم الحبّ والعلاقات والعواطف، هو مواقع التواصل الاجتماعيّ في مقدّمها الفايسبوك والماسينجر والفايبر والواتسآب.. هذه المواقع التي سجنت كثيرا من شبابنا وجعلتهم يعيشون جلّ أوقاتهم مع هواتفهم، ليس ليتعلّموا أو يبحثوا عن الخير وينشروه، لكن ليعيشوا في عالم التواصل والاتّصال، ويقضوا السّاعات الطّويلة من اللّيل والنّهار في الحديث مع الهازلات والعابثات الباحثات عن قتل الأوقات.. ربّما يعيش كثير من الآباء في عالم السّلع والأسعار، ولا يدرون ما الذي يجري في العالم الذي يعيشه أبناؤهم وتعيشه بناتهم مع الفايسبوك والماسينجر والفايبر.. يرى الأب أبناءه ليل نهار لا تغادر هواتفهم أيديهم إلا قليلا؛ ولا يهتمّ بمعرفة هذا الشّاغل الذي يجعلهم لا يملّون من النّظر في الهواتف، لا يتساءل في نفسه: لماذا ولدي فلان لا يكاد يترك الهاتف من يده، في غرفته وفي غرفة المعيشة وأمام طاولة الطّعام؟ يرى ابنه كذلك ويرى من مظهره وحاله كيف تبدّل وأصبح يميل إلى المبالغة في الاهتمام بمظهره، وربّما أصبح يميل إلى التشبّه بالفتيات في لباسه وطريقة كلامه وربّما في مشيته، ولا يتساءل الأب ولا يتدخّل ليدرك ابنه قبل أن يضيع، بل ربّما يرى ابنته عاكفة على هاتفها باللّيل والنّهار تكتب وتتصفّح وتبتسم، وتتهرّب من كلّ عمل نافع في البيت، ولا يهتمّ بالبحث والسّؤال عمّا يشغلها في عالم الإنترنت؛ هل هو العلم والتعلّم؟ أم هو التّواصل مع قريباتها وصديقاتها وزميلاتها؟ أم إنّها تتواصل مع العابثين من الشّباب؟

 

سوء استغلال مواقع التواصل.. والحصاد المرّ

لقد أصبح الأمر غاية في الخطورة، مع تيسّر الحصول على خدمات الإنترنت.. أضحى الاتّصال بمواقع التواصل الاجتماعيّ سهلا وميسورا وبأسعار رمزية، بل أصبح مجانا في بعض الحالات.. أصبح في إمكان شبابنا وفتياتنا أن يظلّوا متّصلين بمواقع التواصل الاجتماعيّ على مدار السّاعة، باللّيل والنّهار.. بعض شبابنا -ثبّتهم الله- يقضون أكثر أوقاتهم مع هذه المواقع لنشر الخير والفائدة، أو للتّرويح المنضبط، لكنّ كثيرا من شبابنا يقضون معها أوقاتهم لنصب الشّباك واصطياد الفارغات والعابثات.

ربّما يظلّ كثير من الآباء والأزواج في أعمالهم ووظائفهم أو في المقاهي والأسواق، ولا يعلمون أنّ نيران الفتن تضطرم في بيوتهم وفي أيدي أبنائهم وأهليهم، بسبب أنّ أبناءهم وبناتهم قد غرقوا في أوحال هذه الصداقات التي تنشأ في عالم الإنترنت ويزيّنها الشّيطان ويبرّرها للمتساهلين فيها؛ فيقول لهم: هذه صداقات جادّة بريئة، الغرض منها التعارف وتبادل المعلومات، ولا يمكن أن يُسمح فيها بالعبث والخروج عن الجدّ، وشيئا فشيئا تُكسر الحواجز، ويبدأ المزاح والثّناء والإعجاب، حتى تتحوّل الصّداقات إلى علاقات باسم "الحبّ"، وهكذا شيئا فشيئا، حتى تقع الفأس في الرّأس.

لقد خرّب الفايسبوك والماسينجر وغيرهما من مواقع التواصل بيوتا بأكملها، بسبب التساهل في إنشاء الصّداقات والتوسّع في التعليقات، وربّما يغري الشّيطان امرأة مؤمنة متزوّجة محصنة بأن تتساهل في الحديث مع رجل أجنبيّ على صفحة من الصّفحات أو مجموعة من المجموعات، ويبرّر لها ذلك بأنّها امرأة محترمة وهو رجل محترم، ولن يحصل الحديث إلا في الأمور الجادّة، ولكنّه بعد ذلك يخطو بهما خطواته، فيبدي كلّ منهما الإعجاب بما يكتبه الطرف الآخر وينشره، ومن كلام معقول إلى كلام معسول إلى عبارات ثناء إلى كلمات إعجاب إلى أن يصل الأمر إلى التواعد للحديث على الخاصّ، وهكذا حتى يقعا في الفتنة.

 

دعوة للإصلاح

ينبغي أن نعلم أنّ هذه الصداقات التي تربط بين الشباب والفتيات، بين الرجال والنّساء، وهذا الاختلاط المبتذل في بعض الصّفحات والمجموعات، على مواقع التواصل الاجتماعيّ، هي من أبواب الفتنة التي ينبغي أن نغلقها عن أنفسنا وعن أهلينا.. الرّجل من حقّه أن يعلّق على منشورات النّساء بإضافة فائدة أو تصويب خطأ، ولكن ليس ضروريا أن يثني على ما تكتبه النّساء وينشرنه، والمرأة من حقّها أن تكتب وتنشر الخير وتعلّق على المنشورات النّافعة التي يكتبها الرّجال بإضافة فائدة أو تصويب خطأ، لكن ليس يليق البتّة أن تقتصر مشاركاتها على إبداء الإعجاب وكتابة عبارات الشّكر والثّناء، ويتوسّع الأمر إلى المزاح والقهقهة.. كلّ هذا من خطوات الشّيطان.. 

كما أنّه لا يجوز أبدا للفتاة المسلمة التي تؤمن بالله واليوم الآخر وتؤمن بأنّ الرّزق والزّواج كلّه بيد الله، لا يجوز لها أن تنشر على صفحتها صور النّساء لتغري النّاظرين وتستميل الخاطبين، ولا يجوز لها أن تفتح باب الصّداقات مع الشّباب في عالم يدخله البرّ والفاجر ويلبس فيه كثير من الذّئاب أقنعة الخرفان والحملان، ولا يجوز لها أن تسمح بالمحادثات الخاصّة ولا حتى المحادثات العامّة التي لا داعي لها ولا طائل تحتها سوى مجرّد المدح والثّناء.. من أرادت الزّواج فلتتّق الله في نفسها ولتلزم الحجاب الشّرعيّ والأخلاق الفاضلة، ولتدعُ من بيده قلوب العباد أن يرزقها الزّوج الصّالح الذي تسعد به في الدّنيا والآخرة، وهو سبحانه سيتولّى أمرها ويرزقها من حيث لا يحتسب.. ((وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)).. لا يجوز أبدا للفتاة المسلمة المؤمنة أن تنقاد لهذا الوهم الخادع، وهم الحبّ الزّائف، ووهم التعارف قبل الزّواج.. على كلّ مؤمنة تريد سعادة الدّنيا والآخرة أن تكِل أمرها إلى الله، وتعلم علم اليقين أنّ الذي يريد الحلال لا يأتي من الفايسبوك ولا من الماسينجر ولا من النّافذة، وإنّما يأتي من البيت من بابه، فهو لا يرضى لزوجة المستقبل شيئا لا يرضاه لأخته وابنته في المستقبل.

على الشابّ المؤمن الذي يريد سعادة الدّنيا والآخرة، أن يتقي الله في قلبه وألا يعمره بحبّ المخلوق ويخرج منه حبّ الخالق جلّ في علاه، وأن يحذر كلّ الحذر خطوات الشّيطان في عالم الإنترنت، وأن يكون حازما في أمره، ولا يرضى لبنات المسلمين ما لا يرضاه لأخواته.. الرّجولة الحقيقية تظهر في مواقف التعرّض للفتن، عندما تعرض فتنة على الشابّ المؤمن فيثبت أمامها ويحزم أمره ويقول "إنّ الله يراني".. الشّيطان يزيّن للرّجل أن يسترسل في الحديث مع المرأة ويزيّن للمرأة الاسترسال في الحديث مع الرّجل، لكنّ العبد المؤمن الذي يستشعر رقابة الله، يغلق الباب على الشّيطان من أوّل خطوة، لأنّه يخشى الله الذي يراه ويخشى عقابه ونقمته جلّ في علاه.

حذار.. حذار يا شباب.. من تسبّب في فتنة امرأة مسلمة، فسيأتي عليه اليوم الذي يجازى فيه بفتنة في بيته، ومن عبث بعرض فتاة مسلمة فسوف يأتي اليوم الذي يُعبث فيه بعرضه.. كم من شاب أخرج فتاة من بيتها فابتلي في أخته.. وكم من زوج ترك زوجته وراح يتطلّع إلى النّساء هنا وهناك، فدفع الثّمن غاليا في زوجته أو ابنته، ولا يظلم ربّك أحدا.

 

من ابتُلي فلْيسلُك الطّريق الصّحيح

ليس كلّ من ابتلي بشيء في داخلة نفسه، ومال إلى امرأة معيّنة، يكون بالضّرورة قد وقع في الحرام، وقارف المحظور؛ فالله –سبحانه- لا يحاسب عبده على ما في قلبه، وإنّما يحاسبه بسعيه قبل الابتلاء وبعده، إن كان في الطّريق الصّحيح أم في الطّريق الخطأ..الشابّ المسلم مطالب بأن يغضّ بصره، وينأى بنفسه عن مواقع الفتن، فإن ابتُلي فليتذكّر أولا أنّه مسلم له رسالة في هذه الحياة، ولْيسلك الطّريق الصّحيح ليظفر بمراده في الحلال.. مِن حقّه أن يرى من يريد خطبتها، ويسأل عنها، لكن ليس من حقّه أن يتواصل معها على الهاتف وعبر مواقع التّواصل ويربط معها "علاقة" بحجّة "التّعارف قبل الزّواج".. المرأة الصّالحة التي تصلح زوجة وأمًّا، لا تقبل العلاقات قبل الزّواج، وإنّما تدّخر مشاعرها لما بعد الزّواج، وتحتاط لنفسها ودينها وتحفظ حياءها وكبرياءها، وتوجّه من ينشد الحلال إلى أن يأتي البيت من بابه ويتواصل مع وليّها.

  • print