Made in France
في العدد الثالث والعشرين من جريدة “البصائر” في سلسلتها الرابعة، الصادر في (23 – 30 أكتوبر 2000) كتبت مقالا عنوانه: “الإرهاب صناعة فرنسية made in France”.
لقد ذكّرت في ذلك المقال بما يجب ألا ينسى، وهو جريمة فرنسا – وفرنسا هي أم الجرائم بجميع أنواعها -التي ارتكبتها في 22 أكتوبر من سنة 1956؛ تلك الجريمة التي سنّت بها فرنسا سنّة سيئة، فهي أول جريمة من نوعها في العالم، حيث تولّت كبر تحويل طائرة مدنية، فروّعت الآمنين، وأفزعت المطمئنين.. وذلك من أجل اختطاف مجموعة من مسئولي الثورة الجزائرية كانوا ذاهبين من المغرب إلى تونس لبحث قضية إنهاء الحرب في الجزائر.. ولكن الغدر الفرنسي كان لهم بالمرصاد، ولم تنج منه أرض ولا سماء.. وفي ديننا الإسلامي الحنيف أنّ من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى “نهاية التاريخ”، التي لا يجلّيها لوقتها ولا يعلمها إلاّ رب العالمين، لا التي يدّعيها ذلك الياباني المتأمرك “فوكوياما”، ضاحكا على الناس، ساخرا منهم، مستخفيا بعقولهم، باسم “العلمية”؛ زاعما أن “نهاية التاريخ” هي ما وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية، تلميذة فرنسا في الإجرام والوحشية، حتى صار الهنود الحمر في أمريكا يبحث عنهم بالمصابيح الكشافة في رابعة النهار لقضائها عليهم…
وأدال الله – عز وجل – الأيام، فتعلم “المجرمون” الإرهاب من أستاذتهم، وجعلوه “هواية”، وبعض هؤلاء الهواة هم من أبناء فرنسا نفسها، ومن أبناء الدول الغربية الإرهابية…
إن الفرق الأساسي والكبير بين “إرهاب” هؤلاء الإرهابيين الأفراد وبين إرهاب الدول الغربية هو أن إرهاب أولئك يمكن أن نسميه “إرهابا فوضويا”، أو “إرهابا صغيرا”؛ وأما إرهاب الدول الغربية- أوربا والولايات المتحدة الأمريكية – فهو إرهاب كبير، ومنظم، تحكمه مجموعة من القوانين، سماها الإمام الإبراهيمي “كوانين” جمع كانون، وقديما قال شاعر عربي:
لقد كان فينا الظلم فوضى فهذّبت حواشيه، حتى صار ظلما منظّما
كما أن إرهاب هؤلاء الأفراد – على بشاعته – هو إرهاب “محدود” زمانا ومكانا سرعان ماتزول آثاره السيئة؛ أما إرهاب هذه الدول- أوربا وأمريكا- فهو إرهاب “ممدود” زمانا ومكانا، واسألوا الجزائريين الأحرار عما فعلته فرنسا فيهم، وفي أرضهم من جرائم تضيق جميع اللغات عن وصف بشاعتها.. واسألوا الفلسطينيين عما فعله الصهاينة فيهم، بعدما تخصلت منهم الدول الأوروبية، ومنحتهم أرض شعب أخرج منها..
ورحم الله المجاهد الشهيد محمّد العربي ابن مهيدي الذي قال لأحد كبار الإرهابيين الفرنسيين عندما سأله عن “إرهاب” وضع المجاهدين قنابل بدائية هنا أو هناك؛ قال المجاهد الشهيد لذلك الإرهابي الفرنسي: بسيطة، خذوا قنابلنا البدائية وقففنا البسيطة وأعطونا ترساناتكم البرية والجوية والبحرية.
إن هؤلاء الأوروبيين البيض من الأمركيين يحسبون أن المادة التي خلفقوا منها “أنبل” من المادة التي خلق منها غيرهم، والحال أن الناس جميعا – كما قال سيد الجميع – “من آدم، وآدم من تراب” وهم جميع من حيث الكرامة الآدمية والقيمة الإنسانية “سواسية كأسنان المشط”.
إن هؤلاء الغربيين والبيض من الأمريكيين والصهاينة يعتبرون قتل امرئ في مقهى أو مسرح أو ميترو… إرهابا لا يغتفر؛ وقتل شعوب أو إبادتها ثقافة وتحضّرا، وصدق الكاتب الفرنسي إدغار موران (Edgar Morin) الذي سمّى أحد كتبه “ثقافة أوروبا وبربريتها” (Culture et barbarie européennes)، الذي لا أختلف معه في اعتباره “أن بربرية الغزو الأوروبية لم تعرف نهايتها بعد الحرب العالمية الثانية”؛ وأختلف معه اختلافا كليا في اعتباره بربرية فرنسا وإرهابها “لم تعرف نهايتها إلا مع حرب الجزائر” (ص 21)، وماذا نسمي يا سي موران تدخلات فرنسا – فرديا وضمن أحلاف- هنا وهناك؟
إن “إرهاب” الإرهابيين يتم في غفلة، ويخطط له في الأقبية والدهاليز؛ أما إرهاب الدول الأوروبية وأمريكا فيتم لطغيانها وغرورها واغترارها بالقوة في وضح النهار، ويخطّط له في القاعات الفسيحة المكيفة صيفا وشتاء، وينفذ تحت عدسات التصوير.
لقد أعمتكم – أيها الغربيون- قوتكم المادية، فاستعليتم في الأرض بغير الحق، وأطغتكم ففعلتم ما شيّب الولدان والغربان، ولكنكم – لحمقكم – نسيتم أن “عين المظلوم كعين الظالم، كلتاهما لا تنام”، وهاهي تحرمكم الأمن، وتطير النوم من أعينكم في عواصمكم وقريبا من فراعنكم.. وأذكركم بمقولة حكيمة لأحد علمائنا، حيث تستنكفون أن تأخذوا الحكمة من غيركم، هذه الحكمة تقول: “الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش”، وهي للإمام الماوردي صاحب كتاب “الأحكام السلطانية”.
نسيت أن أقول لكم إنه أنتج مؤخرا في فرنسا فيلم عنوانه ” Made in France” يؤكد المؤكد، ويثبت الثابث أن “la menace vient de l’interieur” أي إنّ التهديد يأتي من الداخل، لأن “الحضارة أيضا تولّد البربرية” كما يؤكد إدرغار موران (ص 8)، وبالتالي فإن “الإرهاب” و”التوحش” ليسا حكرا على من تسمونها “الشعوب الأدنى”..