“Six pieds sur terre”.. حينما يكون الموت امتدادا للحياة ومفتاحا للتّصالح مع الذّات
قدّم المخرج كريم بن صالح، فيلمه الأوّل في صنف الأفلام الطّويلة “Six pieds sur terre، بقاعة السّينيماتيك 24 سبتمبر 2024 كعرض أوّل في الجزائر، خلال فعالية لقاءات السّينماتوغرافية ببجاية في دورتها التّاسعة عشر.
وسلّط الضّوء، في مدّة زمنيّة تجاوزت السّاعة والنّصف، على الكثير من القضايا الّتي تخصّ المهاجرين بفرنسا، على غرار الهوية و علاقات الأسرة و الاندماج في المجتمع والتّأقلم مع المحيط، من أحداث مستوحاة من الواقع. ويعالج السّيناريو في مجمله حالة طالب جزائري “سفيان” الملقّب ب” Souf” الّذي زار الكثير من الأماكن. ويعيش الطّالب في أسرة من أختين ووالده الدّبلوماسي المتقاعد يستقرّ بمدينة “ليون”،و الّذي مازال متعلّقا بماضيه مع زوجته.ويعيشون في جوّ مكهرب في أغلبه. طالب يجبر على ضرورة البحث عن عقد عمل من أجل تجديد الإقامة بفرنسا أو ترحيله من طرف السّلطات الفرنسية للجزائر. ليجد نفسه في خدمة تغسيل الموتى المسلمين ومنه كانت البداية.
استطاع المخرج كريم بن صالح، أن يقدّم ويؤخّر أحداث مضمون القصّة، ليتعرّف من خلالها المشاهد على سفيان، في ماضيه وحاضره، ماض يبدأ بالملهى اللّيلي وما يحمله في مشهد مظلم وهو يعاقر الخمر والممنوعات، وحاضره وهو يعتني بالموتى من أجل سفرهم الأخير نحو الحياة الأخرى، وكيف كان التّأقلم صعبا مع وضعه الجديد، كشاب يعيش الكثير من تناقضات الحياة، بين الرقص والخمر و العلاقات، وبين موت الأحاسيس عند تغسيل الميت. لكنّه كان يبحث فقط عن عقد عمل، من أجل الإقامة فحسب حتّى ولو كان ضد ما يريده في الحياة، رفقة “الحاج” قليل الكلام اعتاد على العمل في صمت بعيدا عن ضوضاء الحياة، وكأنّه فقد طعمها، لكثرة غسله للأموات ويعيش متخفّيا وراء جدران المدينة.
ولقد صوّر المخرج تراكمات شاب يعيش تناقضات كثيرة، وتقلّب المزاج حتّى مع من يحبّه، بين الكرّ تارة والفرّ تارة أخرى، ولم يبق أمامه إلّا ثلاثين يوما، من أجل تجديد إقامته. لذا فهو يسارع الزّمن من أجل الحصول على هذا العقد. ليقع في الأخير، ضحيّة تلاعب من ربّ عمله، الّذي وعده أن يمضي عقده حينما يحوّله من مدينة “ليون” إلى “نيس” ويصبح هو المسؤول الأوّل عن تغسيل موتى المسلمين هناك، بعدما أظهر إتقانه لهذا العمل، رغم أنّه مؤقّت في نظره. كما عرّج المخرج في الكثير من زوايا عمله، عن تعامل الأديان فيما يخصّ الموتى، بين من يدفنه وبين من يحرقه، وبين من ينتحر ولا يغسل ولا يدفن في مقبرة المسلمين، ليختم الجدل كلّه، بلمسة إنسانية ترضي كلّ الأطراف، على غرار مشهد سفيان حينما أقرّ بدفن بقايا الميّت حينما يحرق في المقبرة.
كان من الواجب على سفيان أخذ حقّه بيده، وكان له ذلك، في رسالة تعكس أن الحقّ يطالب به ثمّ يؤخذ بالقوّة إذا تطلّب الأمر. ولم يكن هذا إلاّ بخطفه لجثّة، كان من الواجب أن يحوّلها إلى وطنها. ليضع المخرج في ختام فيلمه المشاهد في مشهد مفتوح على السّماء، حينما وقف سفيان يراقب الأفق بعدما تصالح مع ذاته وعائلته وخاصة والده، يعكس الأمل في الحياة و الحصول على شخصيته وهويته عبر ما عاشه خلال هذه الفترة. بعدما بدأ فيلمه، بمشهد سفيان في الظّلام يعاقر قارورة الخمر، كدلالة على الضّياع، لينتهي في الأخير بحبّ عمله هذا، بعدما كان يبحث من خلاله على عقد عمل فحسب، ليكون سفيرا للموتى وليس سفيرا في الحياة على غرار والده.
وللتّذكير فإنّ سنة صدور الفيلم 2024، وهو العرض الأوّل بالجزائر، وقد شارك في التمّثيل كلّ من: حمزة مزياني، وسعاد أرسان ومهدي جعايدي.