الرأي

Zola المقتول بسبب “J’accuse”

عمار يزلي
  • 1017
  • 2
ح.م

ثلاثة أجيال تمرّ في فرنسا “الثورة” على حادثة “النقيب دريفوس” (Dreyfus) الشهيرة، التي أسالت كثيرا من الحبر وكثيرا من الدماء والأرواح، تحت عنوان واحد: “معاداة السامية”، التي تعود اليوم بعد 120 سنة، في شكل مقلوب من التيار المسمى “الدريفوسيين”، ليتحوّلوا إلى صف المعادين للإسلام، وهي ما توصف اليوم بظاهرة  “الاسلاموفوبيا”، التي تعادل “معاداة السامية” في القوة وتعاكسها في الاتجاه.

في 1902، يموت الروائي الفرنسي المثير للجدل والمشاكس السياس الكبير “إيميل زولا”، مقتولا، دون أن يعلم أحدٌ بذلك إلا مؤخرا.. مات بثاني أوكسيد الكربون مخنوقا في بيته بعد أن أغلق عاملُ تنظيف المداخن مدخنتَه مساءً وأعاد فتحها فجر اليوم الموالي، مما جعل المحققين يسجِّلون في سجل وفاته: “بسبب حادث” (mort accidentelle). قتل “زولا”، على يد أحد “الوطنيين” المتعصبين أو ما نسميه اليوم باليمين المتطرف. والسبب: رسالة “زولا” للرئيس الفرنسي قبلها بشأن المحاكمة غير العادلة لنقيبٍ عسكري اتهم بالخيانة “النقيب دريفوس”.. الرسالة كان عنوانها “أنا اتهم” (J’accuse)، وكانت صرخة مثقف إزاء حقوق الإنسان وضد التمييز العنصري ضد اليهود التي كانت سائدة وقتها في فرنسا وتعادل.. “الاسلاموفوبيا” اليوم.

لنتصور كيف انقلب أنصار “زولا” اليوم إلى الصف المعادي لفكر ومواقف “زولا” نفسه تجاه قيم العدالة والمساواة والحقوق والحريات والأخوَّة التي نادت بها الثورة الفرنسية، ثم انقلب عليها المنقلبون وصار المثقف المستقل، يخشى على نفسه من قول لا.. جهارا، بل ويُقتل بسبب ذلك ويُسجَّل “متوفى بحادث”، دون معرفة من الجاني وهم يعلمون أنه كان مستهدَفا هو وعائلته بمئات الرسائل المجهولة والسب والشتائم في كل مكان ومحاولة قتله حتى أثناء توجهه إلى المحاكمة بسبب “J’accuse” التي نال لأجلها سنة سجنا بتهمة القذف وهي أقصى عقوبة وقتها.

الآن، اليسار في فرنسا، والليبيراليون يجعلون من قضية النقيب “دريفوس” قضية مركزية ومرجعية، ومن رسالة “زولا” “J’accuse”، مصدر المناداة بالحريات الفردية والجماعية والمساواة وعدم التمييز على أساس الأديان والأعراق.. واللون.. وخاصة عدم وسم الآخر بجرم هو عندهم عظيم: “معاداة السامة”، وهو عنوانٌ فضفاض بلوره الفيلسوف الإعلامي “هنري برنار ليفي” ليصبح سيفا مسلطا على رقاب النقد والرأي، إذ يشير إلى ذلك صراحة الكاتبُ السياسي الفرنسي اليساري “باسكال بونيفاس” في (المثقفون المغالطون) قائلا: “…التنديد بمعاداة السامية يسمح له (هنري ليفي)، بطريقة غير مباشرة، لتوظيفه كذريعة بغية إقصاء أو ردع كل من تسوِّل له نفسه أن يكون على خلاف معه. بما أن برنار هنري ليفي يهودي، إذن فالذين ليسوا متفقين معه، لا يحبٌّون اليهود. وهذا هو المطلوب”.

معادة السامية، كشعار ترقى أمميا فيما بعد إلى مصاف التجريم ولو بالإشارة، بعد تجريم تكذيب المحرقة ضد اليهود.. بنفس المنطق اليوم، تتحول معاداة السامية إلى “معاداة المسلمين”، لكن ليس بتجريم من يعادون الإسلام ونبيِّهم، بل بتجريم هؤلاء المسلمين ومعهم نبيّهم من نفس الطائفة التي جرَّمت ناكرى المحرقة ومعاداة اليهود؛ فإسلام اليوم في فرنسا مرتبطٌ بالإرهاب، كما كان ارتباط اليهود في وقت “زولا”.. بالخيانة.. وجماعة “دريفوس” بالأمس، هم اليوم جماعة “جمعية مناهضة الاسلاموفيوبيا” التي حلّها ماكرون قبل أيام على خلفية دفاعها عن المسلمين في فرنسا، خاصة بعد حملة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أسابيع في فرنسا.. من طرف جريدة “شارلي إيبدو” اليمينية.

هكذا، في زمن الردة.. يبدو أنه على الفرنسيين أن يلدوا من جديد.. “زولا” آخر ليوجِّه أصبعه في اتجاه قديم جديد.. من جديد.. J’accuse…

مقالات ذات صلة