آباء لبنات يكتبون أملاكهم لهن ولزوجاتهم
المعروف، أنه إذا توفي الأب، وترك بنات فقط، فلهن ثلثا تركته، وللزوجة الثمن. أما الباقي، فيؤول إلى أوْلى رجل ذكر. فإذا كان له إخوة مثلا، فإنهم يرثونه بالتعصيب. وهكذا. وذلك، ما يدفع بالكثير من أمثال هؤلاء إلى التحايل على شرع الله، بتسجيل ممتلكاتهم باسم زوجاتهم وبناتهم قبل الوفاة، حجبا لبقية الورثة.
الميراث نظام تعبدي توقيفي، يقول الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، إمام وخطيب بمسجد الغزالي بحيدرة: “لا يجوز لأحد تغييره أو التحايل عليه، لا برأي ولا بعاطفة. قال الله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم.” وقال سبحانه، بعد تفصيل الأنصبة: “وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ”.
ولكن ذلك لم يمنع البعض ممن وُهبوا إناثا فقط، من أن يتحايلوا على هذا النظام التعبدي، بهبة أو تسجيل، كل أو بعض، ممتلكاتهم باسم زوجاتهم وبناتهم، بدعوى تأمين مستقبلهن من بعدهم. لكن النية الحقيقية قد تكون حرمان بقية الورثة من حقهم في تركتهم، كإخوتهم مثلا أو أبناء إخوتهم، مثلما فعل السيد جيلالي، الذي رزقه الله سبعا من البنات، الأمر الذي أحبط عزيمته عن السعي والكد والعمل لتكوين ثروة أو أملاك، مثلما تقول أخته الكبرى: “كان يتحجج دائما بأنه ليس لديه ابن ذكر يحمل اسمه من بعده. لهذا، استمر في العيش بمنزل العائلة، إلى أن ضرب زلزال 2003 ولاية بومرداس، فتهدم البيت، ليتحصل كل وارث على شقة في إطار إعادة إسكان المنكوبين حينها.. ثم اقتسمنا قطعة أرض تركتها لنا والدتنا- رحمة الله عليها-. والآن، بعدما تقدم به العمر وأوشك على الهلاك، طلبت منه زوجته أن يكتب البيت والأرض باسمها وأسماء بناته، حتى لا يرث معهن إخوته. وذلك الذي شرع في تنفيذه فعلا، بمباركة من كل أشقائه، بحكم أنهم ميسورو الحال ماديا.”
ونفس الشيء، فعله السيد عبد الحق، الذي رزقه الله ثلاثا من البنات وثروة وأملاكا لا تعد ولا تحصى، بحكم أنه كان مستثمرا فلاحيا. فقام حينما اعتلت صحته وخاف على نفسه الهلاك، بكتابة جميع أملاكه باسم زوجته وبناته. وهو الأمر الذي أثار استياء إخوته وأولادهم، بعد أن علموا به بعد وفاته، إلى درجة أنهم قاطعوا ذريته من بعده. وما عادوا يسألون عنهم. وربما هذه هي ضريبة التحايل لتغيير نظام الميراث الذي حدد الله فيه الأنصبة، ولم يتركها لاجتهاد خلقه.. ضغائن متوارثة وقطيعة رحم.
هبة صحيحة ولكنها مكروهة
حكم كتابة الأملاك باسم البنات أو الزوجة يشتمل على حالتين، مثلما يوضح الأستاذ عبد الرشيد بوبكري. الأولى: إن كان ذلك هبة حقيقية في حياته، أي إن الرجل يملك مالا ويهبه لزوجته أو بناته برضاه الكامل، ويقبضن المال فعليا، قبل وفاته. فهذه تعد هبة صحيحة شرعا عند المالكية، بشرط أن تكون في حال صحته لا مرض موته، الذي يخاف منه الهلاك. وأن يُقبض المال أو العقار فعلا، أي تسجل الملكية رسميا وتُسلم. وألا يقصد بها الإضرار ببقية الورثة أو حرمان بعضهم. قال الإمام خليل في مختصره: “وإن تصرف في ماله في صحته نفذ، وإن قصد حرمان الورثة فمكروه”.
أما الحالة الثانية، مثلما يضيف محدثنا: “فهي ما كان في مرض الموت، أي المرض الذي يخاف منه الموت. فهذا، عند المالكية، يعتبر من تصرفات المريض مرض الموت. وتعامل معاملة الوصية. فلا تنفذ إلا في ثلث ماله فقط. ولا تجوز لوارث إلا بإذن بقية الورثة بعد الوفاة. جاء في الشرح الكبير للدردير: “وهبة المريض مرض الموت لوارث لا تجوز إلا بإجازة باقي الورثة، لأنه في معنى الوصية لوارث.” بمعنى، إن كتب كل أملاكه لبناته أو لزوجته في مرضه حتى يمنع الورثة الآخرين، فهو آثم شرعا، وفعله باطل جزئيا، ويرد إلى حدود الثلث.”
فالحكم هنا أن الهبة صحيحة، لكنها مكروهة، إذا قصد بها الإضرار أو التحايل عل أحكام الميراث، لأن القصد معتبر في الشرع. (إنما الأعمال بالنيات).
النية هي الفيصل
ويخلص الإمام الخطيب عبد الرشيد بوبكري إلى أن: “النية هنا هي المحور الأهم. إذا كتب الرجل أملاكه باسم البنات أو الزوجة، خوفا من ذهاب المال إلى الورثة الشرعيين، كالأعمام، فهو في الحقيقة يعتدي على قسمة الله- تعالى- ويتحايل على حدوده. قال الإمام القرطبي: “من غيّر فرائض الله- تعالى- فقد كفر بها، وردّ حكمه، فهو من الكبائر.” وقال المالكية: “كل تصرف يُقصد به حرمان الورثة أو نقض حكم الميراث فهو حيلة محرمة. وإن استوفى صورة الهبة”. فالمشكلة ليست في الورق أو التسجيل، بل في النية القلبية التي تخالف الشرع. وعليه، يمكن أن يهب ماله في حياته وصحته لمن يشاء. وهبته صحيحة ونافذة. وإن كان يقصد حرمان آخرين من الورثة، فإن كان صحيحا سليما، فالهبة نافذة ويكره ذلك. وإن كان حرم الورثة الآخرين في مرض مات فيه، فإن هبته تنقض ولا تصح.”