آهٍ يا أمّة الإسلام!
رحل رمضان قبل 5 أيام يحمل بين طيات دفاتره هموم أمّة تمرّ بزمن عصيب ووقت حرج، تضطرب فيه سفينتها في خضمّ بحر هائج موجُه كالجبال.. اجتمع عليها عدوّ متربّص من الخارج، وولاة أمر أخلدوا إلى الأرض وباعوا الدّين وأفسدوا دنيا الأمّة لأجل دنياهم.. من كان يتصوّر أن نصل إلى ما وصلنا إليه في هذه الأيام؟ من كان يتوقّع أن يصل الأمر ببعض المسلمين في تزلّفهم وولائهم للصهاينة والصليبيين إلى حدّ استباحة حصار إخوانهم وجيرانهم المسلمين في عزّ الشّهر الفضيل، ويصل الأمر ببعض العلماء وبعض الهيئات العلمائية التي تحوّلت إلى هيئات لمباركة القرارات الفوقية، إلى تبرير حرب وحصار المسلمين، وإلى الدّعاء على عباد الله المؤمنين في ليالي الشّهر الفضيل؟
في بداية تسعينيات القرن الماضي، استعان بعض المسلمين بالأمريكان وحلفائهم لحرب العراق المسلم، وصدرت واحدة من أظلم وأشأم الفتاوى في تاريخ أمّة الإسلام، تجيز الاستعانة بالعدوّ الأمريكيّ المحارب المتربّص، لحرب المسلم، وليْتها كانت مجرّد استعانة، لكنّها كانت استكانة للقتال تحت راية الصليبيين ووفق منطقهم في الحرب، ليدمّر العراق وتتولّى أمريكا تسليمه في مرحلة لاحقة لإيران التي حوّلت بلاد الرافدين إلى مذبح ومسلخ تمارس فيه مليشياتها أبشع صنوف التقتيل والذّبح والتّقطيع والحرق.. كانت نكسة قلّ أي يعرف التاريخ لها نظيرا.. كان من أهمّ أسبابها تلك الفتوى المشؤومة التي صدرت تحت الطّلب واستندت إلى أهواء “ولاة الأمر” وليس إلى نصوص الكتاب والسنّة ولا إلى مصلحة الأمّة.. بعد العراق توالت النّكبات وتتابعت النّكسات وتعاقبت الخيانات.. ودخلت دول المسلمين في أتون حروب تشنّها أمريكا وحلفاؤها وتدفع تكاليفها بعض دول المسلمين من أموال الأمّة المنكوبة؛ فمن الحرب الأولى على العراق إلى غزو بلاد الرافدين إلى الحرب على غزّة، ثمّ سوريا التي ستسلّم هي الأخرى قريبا إلى إيران التي تتحالف جهرا مع الرّوس، وتفاوض الأمريكان سرا وتحت الطّاولة لاقتسام الغنائم.. وها هو الدّور الآن على قطر التي يُفرض عليها الحصار وتُكال لها التّهم من قبل دول مسلمة، بينها دولة على أرضها قبلة المسلمين.. حصار جاء تتويجا لزيارة قادت الرئيس الأمريكي إلى السّعودية وإسرائيل، بدءًا من العشرين من شهر ماي المنصرم؛ جبى خلالها نزيل البيت الأبيض جزية قدّرت بمئات المليارات من الدولارات، وألقى أوامره على مسامع بعض حكام المسلمين، ثمّ ولّى وجهه شطر الأرض المحتلّة حيث حنى رأسه للصّهاينة وأعلن لهم الولاء المطلق، وبشّرهم بأنّ بعض دول المسلمين على أتمّ الاستعداد لمدّ مزيد من الحبال لدولة الاحتلال ولربط علاقات وثيقة بها.. وما أن عاد الرئيس الأمريكيّ إلى بيته الأبيض حتى تداعت بعض دول المسلمين لحصار قطر، بتهمة واضحة هي أنّها تدعم حركة المقاومة الإسلاميّة حماس، وتؤوي علماء كانوا قبل شهور قليلة يُشهد لهم بالعلم وتطبع وتوزّع كتبهم، لكنّهم تحوّلوا فجأة إلى إرهابيين مطلوبين لدى بعض دول المسلمين! ضمن قوائم خلا منها متطرّفو الصّهاينة والعلمانيين والصليبيين.
إنّها بركات زيارة ترامب وبركات ما سمي “القمّة الإسلامية الأمريكيّة” التي عقدت في بلاد الحرمين في الـ21 من ماي المنصرم، قمّة أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية التي تحوّلت إلى هيئةٍ لكبار المباركين والموقّعين، بيانا يرحّب بها ويباركها، كما باركها خطيب المسجد الحرام ابن حميد في خطبة الجمعة التي سبقتها، وباركها المدير العامّ لشؤون الحرمين الشيخ السديس!.