-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أبناءُ فرنسا يتألّمون

حسين لقرع
  • 298
  • 0
أبناءُ فرنسا يتألّمون

من المفارقات العجيبة التي تشهدها الجزائرُ هذه الأيام أنّ ردود الأفعال الفرنسية على قرار وزارة التربية تأخيرَ تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي لم ترقَ إلى مستوى ردود أفعال أبناء فرنسا في الجزائر! 

لا شكّ عندنا أنّ القرار لم يرُق لفرنسا لأنه، ببساطة، يتعارض مع سعيها إلى توسيع نفوذها في العالم وبالأخصّ في البلدان الفرانكفونية، ومع ذلك لا نرى في الصحف ووسائل الإعلام الفرنسية فرنسيين يقيمون المآتم على تراجع مكانة لغتهم في الجزائر، بل رأينا مهاجرين جزائريين يهاجمون اللغة العربية والتربية الإسلامية بشراسة وحقد كبيرين، ويدعون إلى الإبقاء على مكانة الفرنسية في الجزائر وعدم المساس بها لصالح الإنجليزية، وامتدّ العويلُ والصراخ الهستيري إلى الوسائط الناطقة باللغة الفرنسية في الجزائر؛ إذ شرعت منذ أيام عديدة في شنّ حملةٍ ضارية ومنهجية على قرار وزارة التربية والوزير سعداوي، بهدف دفع السلطات العليا في البلاد إلى التراجع عن هذا القرار تحت غطاء “التجميد” إلى أن يبتّ فيه مجلسُ الوزراء، وكأنّ القرار اتخذه الوزير سعداوي وحده من دون استشارة السلطات العليا وموافقتها الصريحة عليه!

الواضحُ أنّ قرار تأخير تدريس اللغة الفرنسية من السنة الثالثة إلى الرابعة ابتدائي قد آلم بشدّة حزب فرنسا وأيتامها الجزائريين، سواء المقيمين في الجزائر أو في المهجر، لذلك جاء صراخُهم على قدر الألم ووقعِ الصدمة عليهم، فراحوا يتباكون على تفريط البلاد في “غنيمة الحرب” التي كانت بين أيديها 64 سنة كاملة ثمّ أهدرتها لصالح لغة أخرى لا نملك فيها تأطيرا كافيا كما هو الحال في الفرنسية، فهل صحيحٌ أنّ البلاد لا تملك مؤطّرين كافين في الانجليزية والحالُ أنّ هناك عشرات الآلاف من حاملي الليسانس والماستر في هذه اللغة؟ وهل فكرة التأطير المزعومة هذه حجةٌ كافية للإبقاء على الفرنسية لغةً أجنبية أولى عقودا أخرى من عمر البلاد أو تأبيدها، وعلى حساب أطفالنا، أجيال المستقبل، في وقتٍ تتجه فيه بلدان العالم إلى تدريس الانجليزية على نطاق واسع لأبنائها لمواكبة الثورة العلمية والتيكنولوجية الهائلة التي تجتاح العالم؟!

الجميعُ يشهد مدى هيمنة اللغة الانجليزية على العلم والتيكنولوجيا والأنترنت والذكاء الاصطناعي، في وقتٍ تتراجع فيه اللغة الفرنسية باستمرار وتنحسر حتى في عقر دارها، ما دفع فرنسا ذاتها إلى بداية استعمال الانجليزية في بعض التخصُّصات العلمية بالجامعة والبحث العلمي في السنوات الأخيرة، ولنذكِّر ذيولَ فرنسا بالتصريح التاريخي الذي أدلى به الوزيرُ الأول الفرنسي الأسبق إدوارد فيليب في ندوة صِحافيةٍ عقدها في أواخر شهر فبراير 2018 وقال فيها بالحرف الواحد: “الإنجليزية الآن هي اللغةُ المهيمنة؛ لغةُ التفاهم بين الشعوب. عليك أن تتحدَّث بالانجليزية إذا أردتَ أن تتعاملَ مع العولمة. إنّ الحكومة الفرنسية ستجعل تخطّي اختبار الحصول على شهادةٍ دولية معترفٍ بها في اللغة الإنجليزية إلزاميًّا للطلبة في المرحلة الثانوية أو في المستوى الجامعي على أقصى تقدير، وستتكفّل بدفع تكلفة الاختبارات التي تبلغ نحو 230 أورو.. لديّ قناعةٌ أنّ مثل هذه الإجراءات ستُحدِث ثورةً كبرى وستساعد الفرنسيين على الخروج من قوقعتهم وغزو العالم”!

هذا ما قاله الوزيرُ الأول الفرنسي إدوارد فيليب قبل 8 سنوات ونيّف، بعد أن أدرك مدى تطوُّر اللغة الانجليزية وهيمنتها وقيمتها كلغة علم وتواصل في العالم أجمع، ورضخَ للواقع، فلماذا يصرّ الفرانكوش عندنا على التصرّف كملكيين أكثر من الملك والدفاع المستميت عن بقاء الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي جنبًا إلى جنب مع الانجليزية وكأنّها ندٌّ لها؟ هل هي ندٌّ لها في الواقع؟

المسألة ليست إيديولوجيةً كما يزعم أتباعُ فرنسا في الجزائر والمهجر، بل أضحت علمية بحتة، الواضح أنّ العالم أجمع بات يميل إلى استعمال الانجليزية كلغة علم وتيكنولوجيا وتواصل بين الشعوب، في حين تنحسر الفرنسية باستمرار حتى في البلدان الفرانكفونية، حتى أنّ رواندا استبدلتها بالانجليزية خلال ثورتها الاقتصادية المتميِّزة في السنوات الأخيرة، فلماذا تصرُّ هذه الأقلية على إنكار الواقع ومحاولة الاستمرار في فرض ديكتاتوريتها على الأغلبية؟

إنّنا نهيب بالدولة أن تَثبُت على قرار تأخير تدريس الفرنسية إلى الرابعة ابتدائي ولا تتراجع عنه تحت ضغط أذناب فرنسا وأبواقها، كنّا نودُّ لو دُحرجت إلى الأولى متوسط -كما طالبنا في مناسباتٍ عديدة- حتى نخفّف عن أطفالنا هذا “الازدحام اللغوي” غير المبرَّر الذي يشوِّش عليهم ويُرهق أذهانهم ويفوق قُدراتهم الاستيعابية في هذه السِّن المبكرة، ولكن ما دامت الدولة قد اتّخذت قرارها بتأخيرها إلى الرابعة ابتدائي فقط، فليكُن، غير أنّنا نأمل أن تصمد على قرارها، فهي دولة إقليمية محترمة وليست قبيلة يتّخذ شيخُها قرارا في الصباح ويتراجع عنه في المساء تحت تأثير صراخ بعض المخالفين والمشاكسين وعويلِهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!