أبو القاسم سعد الله: لقّب بـ “الناقد الصغير” وتأثر بالرومانسيين وأعجب بالمتنبي
يعد شيخ المؤرخين الدكتور أبو القاسم سعد الله من الوجوه الأكاديمية الإبداعية التي قدمت الكثير لنفض الغبار عن تاريخ وماضي الجزائر، ورغم مرور أكثر من 5 سنوات عن رحيله، إلا أن الكثير لا يزال يجهل الكثير من جوانب مساره المعرفي والإبداعي، فهو قبل أن يكون عميد المؤرخين في الجزائر، يعد أيضا متصدر الشعراء الذين أبدعوا في مجال الشعر الحر، من خلال قصيدي “طريقي” التي نشرت منتصف الخمسينيات.
خلّف رحيل الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله نهاية العام 2013 فراغا كبيرا وسط الأسرة العلمية والثقافية الجزائرية، حيث رحل المفكر المحنك والكاتب الناضج والمحقق البارع والشاعر الأديب الملهم، رحل حينها في صمت كما يرحل الكبار. وإذا كان الكثير يصفه بـ “شيخ المؤرخين” بالنظر إلى العمل الكبير الذي قام به للحفاظ على الموروث التاريخي والثقافي للجزائر، تاركا وراءه مؤلفات نفيسة، موازاة مع تدريسه الدؤوب في الجامعة، فهو أيضا يلقّب بـ”الناقد الصغير”، بحكم أنه له نزعة نحو الكتابة النقدية في الأدب والصحافة، كما ترك بصمات في مسار الشعر، ويعد بذلك رائد الشعر الحر في الجزائر، ويكفيه فخرا أنه صاحب ميلاد أول قصيدة من هذا النوع منتصف الخمسينيات تحت عنوان “طريقي”.
اتجه أبو القاسم سعد الله إلى الاتجاه الرومانسي في شعره، وكان ذلك نتيجة لظروف البيئة التي شبّ فيها سواء في وادي سوف أو في تونس، حيث رمال الصحراء الذهبية والنخيل وخرير السواقي وأصوات الحيوانات وصفاء الطبيعية ونقائها، كلها كانت عوامل ساعدت سعد الله على تنمية ثقافته الأدبية، وسلوكه المنحى الرومانسي، بالإضافة إلى حبه الشديد للخلوة والانزواء، يطالع الكتب والمجلات لساعات طويلة، فكان يجلس فوق العشب وحفيف الأشجار، كما انكب على شعر المتنبي فحفظ أغلب قصائده، كما كان لإيليا أبو ماضي أثرا في ثقافة سعد الله بإعجابه بقصيدة “الطلاسم” وما تحمله من تمرد وشك وتردد حول مصير الإنسان، يتناسب مع مرحلة الشباب الجزائري المغلوب والثورة ورفضها للظلم، كما قرأ للشابي وجبران خليل جبران كل كتبه وولع بالشعر المهجري وبشعر مدرسة أبولو، كما نال مصطفى صادق الرافعي حظا وافرا من ولع سعد الله بمطالعة مؤلفاته كرسائل الأحزان وأوراق الورد والسحاب الأحمر…
رصيد نوعي ومؤلفات ثرية في الأدب وأخرى في التاريخ
ورغم أن الفقيد الراحل سعد الله ركز جهوده في العشريات الأخيرة قبل وفاته على إثراء المكتبة الجزائرية بمؤلفات تصب في خانة التاريخ الجزائري، إلا أنه لم يهمل الكتابة في الجانب الأدبي والشعري وحتى النقدي، حيث صدرت له دواوين وكتب في هذا الجانب، نذكر منها: النصر للجزائر (شعر 1986)، ثائر وحب (شعر 1977)، الزمن الأخضر (ديوان 1985)، سعفة خضراء (قصص 1986)، دراسات في الأدب الجزائري الحديث سنة 1985، محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري الحديث 1984، حكاية العشاق في الحب والاشتياق، رواية وتحقيق 1983، القاضي الأديب: الشاذلي القسنطيني 1985، تجارب في الأدب والرحلة 1984، أشعار جزائرية، تحقيق 1988. وقد فضل أبو القاسم سعد الله تنويع إبداعاته في الجانب الأدبي بين التوثيق وتكريس أدب الرحلات، إضافة إلى إثراء رؤيته الشعرية بقصائد تميل إلى الذاتية والرومانسية، وأخرى تصف الثورة وتجسد نضال الشعب في حب وطنه، وقصائد تتميز بالغربة والحنين إلى الوطن، قصائد تمثل تجارب الحب وغيرها.
سعد الله رائد القصيدة الحرة في الجزائر بامتياز
يعد أبو القاسم سعد الله رائد القصيدة الحرة في الجزائر بامتياز، شأنه شأن السياب ونازك الملائكة في المشرق العربي، حيث بدأت تجربته في نظم الشعر الحر من خلال متابعته لمعركة القديم والجديد في مصر على صفحات الرسالة والثقافة وغيرهما، وتمرد أصحابه وتحررهم من المفاهيم السائدة في مختلف أوجه الحياة، خصوصا وأن بعضهم اعتبر ذلك أنه جزء من ثورة أو شكل من أشكال الثورة، إلى جانب إعجابه بهؤلاء الشعراء، أعجب بالشعراء المجددين مثل نزار قباني وبدر شاكر السياب. وفي منتصف الخمسينيات طالت شعرنا ظاهرة جديدة مع جيل جديد من الشعراء الشباب وهي الشعر الحر، حيث يؤكد معظم الدارسين على أن “البداية الحقيقية الجادة لظهور هذا الاتجاه، إنما بدأت مع ظهور أول نص من الشعر الحر في الصحافة الوطنية، وهو قصيدة “طريقي” لأبي القاسم سعد الله المنشورة في جريدة البصائر بتاريخ 23 مارس 1955. وأبو القاسم سعد الله ذكر بأنه كتب هذه القصيدة في الأبيار يوم 15 مارس 1955، ونشرتها جريدة البصائر في عددها رقم 313، وكان مطلعها:
يا رفيقي
لا تلمني عن مروقي
فقد اخترت طريقي!
وطريقي كالحياة
شائك الأهداف مجهول السمات
عاصف التيار وحشي النضال
صاخت الأنات عربيد الخيال
كل ما فيه جراحات تسيل
وظلام وشكاوى ووحول
تتراءى كطيوف
من حتوف
في طريقي
يا رفيقي …
ويؤكد الصالح خرفي رحمه الله وعديد المتتبعين على أسبقية أبا القاسم سعد الله على تجربة الشعر الحر في الجزائر، وأن من كتب هذا اللون زمن الثورة إنما جاء بعده، وسعد الله أول المقدمين على تجربة الشعر الحر، وفتحت تجربة سعد الله الطريق أمام شعراء آخرين لاقتحام هذه المغامرة، وتفاوتت التجارب الفنية بين شاعر وآخر، ونذكر من هؤلاء الشعراء أحمد الغوالمي وعبد الرحمان زناقي وعبد السلام حبيب ومحمد الأخضر السائحي…
هذه هي منزلة الكتابة عند سعد الله
في حديث لشيخ المؤرخين الجزائريين عن منزلة الكتابة في نفسه فيقول: “قلمي لا يهدأ له بال، ولا يستقر له حال… فالكتابة عندي هي دوائي وهي دائي، هي غذائي وهي هوائي، فإذا كتبتُ رضيتُ عن نفسي وإذا لم أكتب سخطتُ عنها ومرَّ اليوم كأنَّه سُرق من عمري”. ويخاطب أبناء جيله من الأحياء الذين استكانوا للراحة أو المرض وطلَّقوا القلم قائلا: “اكتبوا حتى بأهدابكم وأظافركم إذا لم تُطعكم أقلامكم، ثم اذهبوا إلى ربِّكم وأنتم راضون أنكم قُمتم بمهمتكم الفكرية والإنسانية، ولكم مني كل التمنيات”. وفي هذا السياق وصف الدكتور مسعود فلوسي المؤرخ والمفكر والأديب الجزائري المتميز الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، بالرجل الفذ الذي استطاع أن ينجز ما تعجز عن إنجازه المؤسسات الكبيرة، إن مؤلفاته الرائدة في تاريخ الجزائر الثقافي وفي التاريخ العام للجزائر وفي التعريف بعلماء الجزائر القدامى والمعاصرين، ستظل معالم بارزة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها أو الاستغناء عنها، إن سعد الله باختصار حسب الدكتور مسعود فلوسي ظاهرة نادرة، وليس من السهل أن يظهر مثيل له في الأمد القريب، وإن مثل سعد الله فيما أنجزه من أعمال كمثل الأمير عبد القادر وابن باديس والإبراهيمي وغيرهم من الأفذاذ في تفرد كل واحد منهم بمنجزات لم يلحقه فيها أحد.