-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أبو علي شاهين.. ومواصلة ثورة الجزائر في فلسطين

صالح عوض
  • 3133
  • 0
أبو علي شاهين.. ومواصلة ثورة الجزائر في فلسطين

للجزائر في الوجدان الفلسطيني موقعٌ خاص.. كما أن لفلسطين في الوجدان الجزائري موقعاً خاصاً؛ فالفلسطينيون لا يثقون بالجملة في حالة كما هي ثقتهم في الحالة الجزائرية السياسية والثقافية والشعبية والنضالية.. إنهم يتلقون كلمات الجزائريين ومواقفهم على أحسن محمل، وهم مع الجزائريين في مركب واحد لا يبغون عنه حولا.. والجزائريون دفعوا ثمن وقوفهم المبدئي مع فلسطين عبر الأزمنة المتوالية وتصدوا لمحاولات سرقتها عبر التاريخ وغرسوا حبهم لفلسطين بقية من أجسادهم في تلال فلسطين وتخوم قراها وأحياء مدنها فانجبلت بحبهم وانجبلوا بعشقها..

دفع كثيرٌ إلى فلسطين مالا، ولكن كان المال الجزائري هو الأكرم، لأنه بلا منٍّ ولا أذى، ودفع كثير من العرب دما وعرقا إلى فلسطين، ولكن عند الاختلاف كانت رقبة الفلسطيني مهيأة للذبح وعرضة للطعن على أياد عربية.. كثير هم الذين يحبون فلسطين من العرب والمسلمين، ولكن بعض هؤلاء يحبون فلسطين ويقتلون الفلسطينيين جوعا وقهرا وحصارا، إلا الجزائريون الذين رأوا فلسطين في الفلسطينيين فتميزوا عن سواهم وكانت لهم المكانة التي لا تليق بسواهم في وجدان فلسطين وروحها.

هذه معان وأفكار طالما تناولتها والقائد الفلسطيني الكبير الشهيد أبي علي شاهين، الذي عشق الجزائر إلى درجة أنه لم يكن يستطيع التحدث عنها بكلمات إلا ودموع عينيه تنهمر وصوته يتهدج ويقول لي: إنها الجزائر.. إنها انتصارنا على الاستعمار والعنصرية والاستيطان، إنها أملنا الماثل في تحقيق عودة فلسطين كاملة وهزيمة المشروع الصهيوني.

 أبو علي شاهين هو أحد القادة المؤسسين في حركة فتح الفلسطينية وأحد أعضاء خليتها الأولى  بقيادة ياسر عرفات التي دخلت الأرض المحتلة أعقاب هزيمة 1967.. تفرغ الشاب الحيوي لبناء الخلايا العسكري في جبال الخليل وجلب السلاح من غزة تهريبا إلى الضفة الغربية واتصال بالقوى السياسية في فلسطين لإقناعهم بضرورة البدء في الكفاح المسلح كأداة استراتيجية للرد على النكبة.. لم تفارق أيام النكبة القاهرة مخيلة الشاب حيث فقدَ أباه شهيدا في قريته، بيت شيت، حيث كان واحدا من جيش الجهاد المقدس بقيادة القائد التاريخي الشهيد عبدالقادر الحسيني..

انتقل الصبي وأمه وأخواه وأخته وأمه إلى مخيم رفح بقطاع غزة. وعاش مع أبناء شعبه الحرمان والجوع، وكل لحظة كانت تمر عليه تزيده غضبا وإصرارا على مواجهة المشروع الصهيوني.. فكان لقاؤه مع مسؤول شعبة الإخوان المسلمين برفح أبي يوسف النجار، الذي كان على رأس مؤسسي حركة فتح وكان الرجل صديق والد أبي علي شاهين في جيش الجهاد المقدس..

هذا هو أبو علي شاهين، الذي أودع السجن أربعة عشر عاما في زنزانة منفردة. لقد حكى لي ظروف تلك الزنزانة وكيف كان يواجه سجانيه ولم يغب عنه لحظة أنه سيهزم المشروع الصهيوني.. خرج أبو علي شاهين من السجن ليجد أن المشروع الصهيوني قد تمدد وحقق انتصارات استراتيجية على الأقل مؤقتا. فلقد تمكن من انتزاع اعتراف إقليمي به بعد أن وقع اتفاقيات كامب ديفد مع مصر وبعد أن وجه ضربة قاصمة للثورة الفلسطينية بلبنان متواكبا في ذلك مع مواقف دول عربية دفعت بالثورة الفلسطينية إلى خارج طوق فلسطين..

خرج الرجل من السجن وقد أصبحت قواعد الفدائيين ضيوفاً مشتتين في تونس.. هنا تحرّكت في داخله روح المناضل القائد فانبعث إلى تأسيس الشبيبة الفتحاوية ليملأ فراغا مذهلا في ساحة العمل الفلسطيني، كان ذلك في النصف الأول من الثمانينيات.. تحركت الشبيبة تبث المفاهيم الوطنية والثورية في أوساط قطاعات الشباب حتى أصبحت القوة الرئيسية في الوطن ووصل مشعلها إلى كل حي وقرية وخربة.. فأسرعت أجهزة العدو إلى فرض إقامة جبرية عليه لم تستمر طويلا حتى ألقوا به إلى خارج الحدود.

سنوات قليلة حتى كانت الانتفاضة الأولى في 7 ديسمبر 1987، وكان للشبيبة التي أسّسها أبو علي شاهين الدور الكبير فيها جنبا إلى جنب الجهاد الإسلامي وحماس وبقية الفصائل الفلسطينية.. هذا كله يعرفه عنه كثيرون، لكن لعله من المفيد أن أذكر للرجل في ذكرى رحيله الثانية موقفين لا أعتقد أن الكثير يعرفهما.. الأول موقفه من قيادة حماس وبالذات القسام، لم تكن علاقته مع قيادة القسام لا سيما الشيخ صلاح شحادة والقائد الحمساوي إسماعيل أبي شنب لم تكن العلاقة نضالية فحسب، فلقد كانت علاقته بهما روحية إلى أقصى درجة. كان يخبئهما وهما مطاردان من العدو وعملائه فيما كان يعمل وزيرا في السلطة.. وقد يجيء الوقت المناسب لتبيان تفاصيل ذلك..

ما لفتني في هذا الباب وقد كنت كثير الصحبة له ولطالما انقضى الليل ونحن نتناقش في الفكر والحضارة والجزائر، فكان إذا جن الليل وأوشك على الاقتراب من الفجر يأخذني بسيارته دون كلام وهو صامت بعمق حتى نصل إلى مقبرة الشيخ رضوان فينزل وأتبعه فيسير بخطوات متكررة حتى يقف أمام قبر ويقول: “السلام عليك“.. ألتفتُ فأجده قبر الشيخ أحمد ياسين، ثم ينطلق ويقف أمام قبر آخر: “السلام عليك“.. ويجهش بالبكاء ويجلس عند شاهد القبر. ألتفت إلى القبر وإذا به قبر القائد القسامي الكبير إسماعيل أبي شنب..

الموقف الثاني يخصّ علاقته بالجزائر.. لقد كان حديثي معه متواصلا وعرف القريب والبعيد عن تواصلي الفكري والإنساني معه إلى درجة استغراب الجميع، ظانين أنه لا لقاء بين إسلامي وغير إسلامي.. كان يقول لي ليس لنا إلا الجزائر.. وكان يقول إننا في فلسطين نقاتل بروح الجزائر وبنفَسها.. وكان يبحث عن كل كلمة لقائد جزائري فيحفظها وعن كل صورة فيجمعها ويقول إنها المرة الوحيدة التي انتصرت فيها الأمة منذ قرون.. وكان يقول إن الجزائريين شرّفوا الأمة ومنعوا أن تتحول الجزائر إلى أندلس ثانية وعلى الأمة جميعا أن تقبّل رؤوس الجزائريين الذين حققوا لنا هذا الانتصار العظيم..

رحم الله أبا علي شاهين.. نتذكره في ذكرى رحيله، وقد ادلهم الخطب على الثورة والشعب الفلسطيني، وربما يسعفني العمر فأكتب عنه.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!