أبومازن .. والخطوة الحرجة
ماذا لو ذهب أبومازن إلى مجلس الأمن؟ ماذا ستفعل أمريكا واسرائيل وبعض دول الإقليم؟ وكيف سيتحرك المشاغبون في الداخل الفلسطيني؟ لماذا هذه الزوابع الداخلية والإقليمية والدولية في مواجهة اعلان أبومازن الذهاب إلى مجلس الأمن لجدولة انسحاب اسرائيل من الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة.
عجيب أمر فلسطين .. مع كل ما يبدو على ظاهرها من ارهاق واعياء وقلة امكانيات وحصار وعدوان تلو العدوان على كل مفاصل الحياة فيها.. الا انها تمتلك في كل حين القدرة على تحريك الساكن في الأمة وإشغال العالم بما تجترحه من اساليب مقاومة وكفاح.. ولقد رافقها هذا السر قرونا مديدة فكانت قديسة الأنبياء وشهوة الطغاة والمجرمين.. ولأنها فلسطين، فهي تهب كل من حاول الذوذ عن حياضها كرامة وقوة وتفردا وعنادا اسطوريا ليكون أيقونة نضال وكفاح.
يعلن الرئيس الفلسطيني ان المفاوضات كانت في منهج الصهاينة مماطلة تعقبها مماطلة ويتم تحت غطائها التهويد والاستيطان والتعدي على المقدسات والحرمات، فيما قدم الفلسطينيون كل ما يثبت حسن نواياهم لإنجاز حل سلمي فكان التنسيق الأمني –مع المعارضة الواسعة له– تتويجا لصدق النوايا الفلسطينية والتي قابلتها اسرائيل بالغطرسة والاستهتار.. ويؤكد الرئيس الفلسطيني ان الاحتلال الإسرائيلي هو أقل احتلال تكلفة في تاريخ الاستعمار.. ويصرح الرئيس الفلسطيني ان السلطة عادت بلا سلطة..
على ضوء هذا، وبعد ان أقام الفلسطينيون حجتهم على الرأي العام الدولي، وعلى منطق آخرين من النظام العربي الذين أصروا على ان يصبر الفلسطينيون على السير في طريق التسوية.. بعد ان اصبح من غير المقبول ان يتعامى أي من اصدقاء اسرائيل الدوليين والإقليميين على غلو اسرائيل ونزوعها للحرب والجرائم ورميها للمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية عرض الحائط.. وبعد ان تحمل الشعب الفلسطيني عشرات السنين نكبات ومجازر متتالية ألقت بظلالها على كل مجالات حياته.. اصبح من الضروري ان يتقدم الفلسطينيون نحو خطوة فيما هو يستند للشرعية الدولية، مستثمرين تنامي الشعور المتضامن مع قضيتهم في العالم.
ان خطوة ابومازن نحو مجلس الأمن والمنظمات الدولية والإجراءات التي ستكون نتيجة طبيعية على رفض مجلس اأمن ان هذه الخطوة مؤسسة على مبادئ الشرعية الدولية، هذا صحيح، الا انها تواجه تحديا كبيرا يتمثل في كونها خارج سياق التكتيك الأمريكي والإقليمي.. فأمريكا تدخل حربا ضد الارهاب في المنطقة، ومعركة حول النووي الايراني، والدول الأساسية في الإقليم مشتبكة مع قوى سياسية اجتماعية داخليا، كما ان موضوع ايران قائم امامها.. وفي هذا المناخ تصبح خطوة ابومازن في خارج السياق الأمريكي والإقليمي، لأنه من جديد يعيد القضية الفلسطينية إلى طبيعتها الأولى انها قضية تحرير وطني ضد احتلال استعماري.. بمعنى واضح انه يعيد ترتيب أولويات المنطقة ويجر الجميع إلى الالتفات إلى عنصر التفجير الأساس في المنطقة.
من الضروري ان نقول انه في هذه اللحظات لا قيمة ايجابية للحديث عن الصلاح والفساد في السلطة، لأن هذا الموضوع ليس مهما في موقف الآخرين رفضا وقبولا للمسعى الفلسطينيى.. انهم لن يرفضونا بسبب فساد في إدارتنا.. ولن يقبلونا، لأن شفافية ممتازة في تسييرنا.. فهذا موضوع غير مطروح اصلا.. وعندما نسمع الآن أحاديث متناثرة من اتجاهات عديدة داخلية تتحدث عن سوء الأداء والإدارة في ملفات السلطة، لا يمكن اعتبار كثير منها بريء، وما تعالي الأصوات من اشخاص بعينهم الآن في هذا الاتجاه الا محاولة لتنفيس قوة الدفع السياسي الفلسطيني ووضع عراقيل ذاتية امام التحرك الفلسطيني في خطوته الحاسمة.. وفي هذا الصدد لابد من مراقبة تحركات لأشخاص تدفعهم حسابات شخصية يجد فيها الآخرون فرصة ان يكونوا معطلين للمسعى الفلسطيني.
ابومازن يقدم على الخطوة الحرجة.. انها حرجة، لأن اللاعبين الكبار الدوليين والإقليميين في غير وارد التعاطف معها واتخاذها منطلقا لحل القضية الفلسطينية، فهم غير متحمسين الآن، لأنهم منشغلون في مشكلات جوهرية، وهم سيحركون ادواتهم لاسيما الداخلية للتشويش والعرقلة.. ولكنها خطوة كبيرة ولعلها كانت أنسب منذ عشرات السنين.. انها خطوة تعبر عن بقية جذوة المشروع الوطني رغم كل ما ران عليها من ركام المفاوضات واستلزاماتها المقيتة.. وانها خطوة وطنية تعيد من جديد الحياة للمشروع الوطني الفلسطيني.
انها الخطوة الضرورية.. الخطوة التي تفيد ان الفلسطينيين لم يستسلموا للخطة الصهيونية، والخطوة التي تعني ان الكفاح بأشكاله المتعددة لايزال يستقي من الإيمان بالحق الفلسطيني.. ومن هنا يصبح حشد الموقف العربي والدولي دعما لها ليس فقط بعدا أخلاقيا، بل ايضا فحصا حقيقيا لالتزام الجميع بالشرعية الدولية والأعراف والقوانين المتعارف عليها.
انها خطوة مواجهة يجر فيها الفلسطينيون العدو إلى مربع يتحكمون في أدواته وينتصرون فيه ويتعرى هو من كل قوته.. وان هذا يستدعي توحيد الجهد الفلسطيني والتركيز وعدم الالتفات إلى خزعبلات صبيانية تقام هنا او هناك.. تولانا الله برحمته.