أحقد من مدخليّ
من الأمثال السائرة التي ورثناها عن أسلافنا قولهم: “أحقد من جمل”، وذلك لأنهم لاحظوا في أثناء تفاعلهم مع بيئتهم أن ألصق حيوان بهم، وهو الجمل، إن أساء أحدٌ إليه، فإنه لن ينسى هذه الإساءة وصاحبها مهما يطل الزمان، وتتوالى الأيام، وتتعاقب الأعوام، ويتكوّر الليل على النهار.
والحقد من أشدّ الأمراض النفسية والقلبية، ومن أكثرها فتكا بمن يصاب به، ولا تشفي منه العقاقير، وقد لا ينفع في علاجه أمهرُ الرّقاة.. ولا علاج له إلا الفرار إلى الله –عزّ وجل- والتسليم والاستسلام له، وإتّباع ما أمر الله –عزّ وجلّ- به، والتّنائي عما نهى عنه مما جاء في كتابه الذي يهدي للتي هي أقوم، وجاء على لسان من لا ينطق عن الهوى، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
لقد ابتُليت أمَّتنا الإسلامية عبر تاريخها الطويل بأناس ظاهرهم الحرص على الإسلام، والاقتداء –الشكلي- بالسُّنة النبوية الشريفة، ولكن دعواتهم مزقت الأمة، وشتّتتها وفرّقت كلمتها، وأوهنت صفّها، وأضعفت قوتها، وكسرت شوكتها، وأذهبت ريحها.. وكان بأس المسلمين –بسبب هؤلاء “المتسلّفين” – بينهم شديدا، ونال أعداء الأمة عن طريق هؤلاء ما لم ينالوه بأنفسهم منها.
وقد خطّت الأقدار في صحائفنا أن نعيش في هذا الزمان الذي نجمت فيه “فرقة” لا تعرف من الإسلام إلا “طاعة أولياء الأمور”، “ولو عصوا وبدّلوا في المذهب”، كما كان يقول الشيخ عاشور الخنقي غفر الله لنا وله.
هذه “الفرقة” المسماة “المدخلية” نسبة إلى مؤسِّسها الذي يدّعي بعض أتباعه –هداه الله– أن من أهمّ ما ينبغي أن يحرص عليه زائر المدينة المنوّرة “التبرك” بزيارة “إمامها” فيها.
أكثر ما يميز هذه “الفرقة” زعم أكثرهم أنهم الأهدى سبيلا والأقوم قيلا، ولكن قلوبهم تضاهي في قسوتها على المسلمين قسوة اليهود، وفي سلوكهم غِلظة، وفي ألسنتهم حدّة.. ويعتقدون أن من لم يتمذهب بمذهبهم ضالّ مُضِلّ، تجب مقاطعته، والتبرُّؤ منه، والدعوة عليه لا له.. وإن جاءه اليقين ردّدوا مقولة: “مستراح منه”.
إن الجمل قد يُعذَر في حقده على من ظلمه، ولكن هؤلاء الإخوة –هدانا الله وإياهم- يحقدون حتى على من لم يؤذهم، وكلّ ما جناه هو أنه خالفهم في أمور منها طاعتهم العمياء لأولي الأمور ولو استنكر الشيطان أفعالهم، وفعلوا ما يخجل إبليس من فعله.
لقد كشفت أحداث غزة تهافت ما يتشبّثون به، وأظهرتهم على حقيقتهم، وأنهم ليسوا من “القاعدين”، ولكنهم من “القواعد”.. ومن قول أحدهم أن الميت في قبره لن يُسأل عن الجهاد، ولكنه سيُسأل عن “الاستبراء” من بوله!
سبق نشرُه