أحمد زيدان للشروق:لم أصدق أن بن لادن كان يقيم في إسلام آباد
الإعلامي السوري الشهير، أحمد موفق زيدان، مراسل قناة الجزيرة من باكستان، يعدّ من بين الصحافيين القلائل الذين التقوا بزعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، وذلك بقندهار في أكتوبر 2001. كما جمعته لقاءات أيضا مع قادة طالبان باكستان، وأجرى حوارات وتقارير حصرية، صدرت له مؤلفات بينها “بن لادن بلا قناع”، “طالبان الإمارة الثانية”…
-
وفي هذا الحوار، الذي خصّ به “الشروق”، يتحدث الدكتور زيدان عن شخصية أسامة بن لادن الذي إلتقاه، وقصة مقتله، طالبان، الجزيرة، ما يجري في وطنه سورية، وأشياء أخرى…
-
أنتم من بين الصحافيين القلائل الذين التقوا أسامة بن لادن، فماهي الذكريات التي لاتزال عالقة في ذهنكم أو ربما لم يسبق لكم البوح بها؟
-
الصورة النمطية المكونة لدى كل شخص عن أسامة بن لادن قبل لقائه هي أنه إرهابي ودموي وبالتالي من الصعب أن تتخيّل أن ما تختزنه في ذهنك من صورة نمطية قبل لقائه هي نفس الصورة التي تراها أمامك، فأسامة ذاك الشخص الوديع الذي يتحدث بهدوء وبسلاسة ومستمع ومنصت جدا لمن أمامه يخالف الصورة النمطية عنه. أمر آخر وهو أن العلاقة بينه وبين أتباعه علاقة قوية جدا تظهر بتسابقهم إلى خدمته، وأيضا يظهر لك مدى الحب الذي يكنّه لهم بالمقابل. أسامة كان يتحدث عن أن دول العالم الإسلامي مكمّلة لبعضها بعضا ولا يمكن لأيّ دولة أن تعيش منفصلة عن الأخرى، كون كل دولة لديها بعض الموارد البشرية أو الطبيعية وبالتالي تكامل الدول العربية وتعاونها هو الذي يسد فجوة أو فراغ كل دولة من هذه الدول..
-
كيف تلقيتم الرواية الأمريكية عن مقتل بن لادن؟
-
بصراحة تلقيتها بداية بالتشكيك، لم أكن أصدق ذلك، أولا كوني كنت بعيدا عن باكستان وبالتالي الاتصال بالمصادر صعب ومتعذر في هذه الحالة. وثانيا لم أكن أصدق أن شخصية مثل أسامة تسكن قرب إسلام آباد وبهذا المكان الذي هو بالأساس منطقة عسكرية باكستانية. الرواية الأمريكية لم تكن مقنعة، خصوصا وأنه تم تغييرها وتبديلها أكثر من مرة، ولم تكن متماسكة جدا، ولكن حين أصدرت القاعدة بيانها واعترفت بمقتل زعيمها اقتنعت أن الأمر قد حصل..
-
كانت لكم لقاءات حصرية مع “طالبان باكستان”، ألم تلمس لديهم ما يوحي أن أسامة بن لادن ربما يعيش في باكستان؟
-
أبدا، كل من التقيته من طالبان كان يتحاشى الحديث عن هذه النقطة، ولا يقبل بأن نشير من قريب أو بعيد إلى هذه النقطة، وأغلب الأحيان أنهم كانوا لا يعرفون بالأمر، ربما حلقة ضيّقة هي التي كانت تعرف بالأمر..
-
كيف تفسّر عدم وجود بن لادن تحت حماية طالبان وهي التي سقط نظامها في كابول لأجله بعدما رفضت تسليمه لواشنطن؟
-
كما لا يخفى عليك، فإن حركة طالبان لا تسيطر بشكل كامل على الأراضي التي تنشط فيها داخل أفغانستان، وإن كانت تسيطر على الأرض فهي لا تسيطر على الجو، وبالتالي مسألة وجود بن لادن في مناطق أفغانية تحت سيطرة طالبان متعذرة وصعبة جدا من الناحية الأمنية ومن الناحية اللوجستية لإدارة عملياته والتواصل مع العالم الخارجي.
-
ماهي الانطباعات الأولية التي خرجتم بها عندما وقفتم على الحي الذي قيل إن بن لادن أقام فيه لسنوات؟
-
الانطباع العام هو أنه سعى إلى الاقتراب من طالبيه وملاحقيه وبالتالي هؤلاء ربما لم يعتقدوا أو لم يظنوا يوما ما أن يكون في هذه المنطقة، وبالتالي كانوا يبحثون عنه في مناطق القبائل أو في مدن أخرى، أما أن يكون قرب العاصمة الباكستانية إسلام آباد وفي منطقة عسكرية لم يكن أحد يتوقعه، والأمر الآخر كان الخيال يذهب بي بعيدا كيف أمضى أيامه الأخيرة هنا، وهل كان يتوقع أن يخرج من هذا المكان المحاصر فيه، لكن تظل الأسئلة الكبيرة برسم الإجابة من الأميركيين هي اللحظات الأخيرة لمقتلة..
-
في اللقاء الذي جمعكم ببن لادن أبدى رغبته في جرّ أمريكا لأفغانستان من أجل هزيمتها، وهو الذي أكده لكم أيضا الصحافي البريطاني روبرت فيسك، فهل كان لبن لادن دور فعلي في الحرب الدائرة وهو الذي أظهرته أمريكا كشيخ عاجز في قبو؟
-
بالتأكيد هذا ما كان يسعى إليه أسامة بن لادن وقيادته، وهم قاموا بالهجوم على السفارتين الأميركيتين في أفريقيا الوسطى من أجل جر واشنطن إلى أفغانستان، كان أبو حفص المصري وبوجود بن لادن يقول لي، نحن نريد أن نستفز واشنطن لتغزو أفغانستان ثم نلاحقها ونطاردها كما فعلنا مع الاتحاد السوفياتي، ولكن أميركا لم تجتاح أفغانستان بعد هجوم السفارتين فسعت القاعدة إلى ضربها في البارجة الأميركية بعدن، ثم 11 سبتمبر حتى دخلت أميركا أفغانستان وحصل ما حصل..
-
ما حقيقة الدور الباكستاني في قصة مقتل بن لادن وخاصة من الجانب الاستخباراتي؟
-
من الصعب التكهن بالأمر، حتى الآن كل المؤشرات تشير إلى عدم وجود دليل على التورّط الباكستاني، ولكن البعض قد لا يستبعد وجود عملاء للمخابرات الأميركية في الجهاز الباكستاني أدت إلى ما أدت إليه كلها تكهنات ومن الصعب الجزم بذلك، لكن رسميا باكستان تقول إنها طعنت بالظهر حين نفذت العملية على أرضها دون إبلاغها بذلك وهو ما تسبّب بخرق السيادة الباكستانية.
-
كمتابع لشأن تنظيم القاعدة، كيف ترى مستقبل التنظيم بعد رحيل زعيمه الروحي والميداني؟
-
أعتقد أن مستقبل تنظيم القاعدة مرتبط بالثورات العربية، لدينا أنموذجان اليوم للتغيير إما أنموذج القاعدة العسكري المسلح الذي لم يتمكن من تحقيق هدفه، ولدينا اليوم أنموذج التغيير الشعبي السلمي، وعلى الجميع أن يدفع بالثاني حتى لا يعود الشعب إلى التفكير بأن المخرج الوحيد هو النموذج القاعدي، وبالتالي مستقبل القاعدة مرتبط بعملية التغيير الحاصلة في العالم العربي، وهنا أعود إلى سورية لأقول إن فشل التغيير السلمي في سورية خطير على الأمن المنطقوي والإقليمي، واستمرار التوتر والشحن في سورية قد يسمح لمجموعات مسلحة بالقفز وبالتالي تخلط أوراق المنطقة، وبالتالي فالحل هو السرعة في نقل السلطة بسورية قبل أن تتحول المنطقة إلى فوضى، لا سمح الله، فذاك لا يخدم الأمن والسلم..
-
ماذا عن فروعه الأخرى في العراق واليمن وخاصة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي؟
-
القاعدة تتحرك منذ فترة طويلة على طريقة نجمة السمك وبأسلوب لا مركزي؛ بمعنى أن القاعدة في العراق تتحرك بحرية وكذلك في اليمن، وربما يتعزز هذا الأسلوب في المرحلة المقبلة لغياب الرمز وهو بن لادن ولكن كل شيء مرتبط بالقيادة الجديدة وطبيعتها ومدى مقبوليتها للآخرين.
-
تعيش سورية على وقع ثورة ضد النظام القائم، ويتم تبادل الاتهامات، فماذا يحدث في سوريا بالضبط؟
-
في سورية ثورة بين الشعب وقادته، ككل الثورات التي وقعت في العالم العربي، ربما في سورية الواقع أخطر وأكثر حساسية، نظرا لحجم القمع التراكمي الموجود فيها، بالإضافة إلى حساسية الموقع الجغرافي والاستراتيجي السوري. ما يجري في سورية هو نتاج لقمع طال من قبل الحكام على الشعب السوري، حيث يستأثر حزب واحد وفرد واحد بمقدرات البلد، ويستأثر حزب البعث بنص الدستور بقيادة الدولة والمجتمع، وتستأثر 17 جهاز مخابرات بكل حركة وكل سكنة للشعب السوري، وهو نتاج لـ48 عاما من حالة الطوارئ، ونتاج لاستشهاد عشرات الآلاف بالسجون وتشريد مئات الألوف، وتحويل سورية إلى سجن كبير جدا، هذا النظام لم يتقن طوال تاريخه إلا المؤامرة، لأنه يدرك أنه جاء بمؤامرة إلى السلطة وبالتالي كل إناء بما فيه ينضح، وبالتالي يظن العالم كله يتآمر عليه، ولكن الشعب السوري عرف طريقه ويسعى إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي عن الاستبداد.
-
يرى البعض أن التدخل الأجنبي في ليبيا هو مجرد بروفة من أجل سورية، فهل يمكن أن يطالب الثوار بالتدخل الأجنبي من أجل حماية المدنيين؟
-
يا أخي الكريم ردود الفعل الدولية تجاه سورية باهتة جدا، الشعب السوري لا يرغب بالتدخل الدولي، والشعب السوري يريدها سلمية، وأعتقد لا يوجد أي صوت حتى الآن يطالب بالتدخل الخارجي، كل ما تحدث عنه الشعب السوري هو الحرية ومطالبة الأشقاء العرب بممارسة ضغوط على هذا النظام، والشكر كل الشكر للإخوة في الكويت حين طالب 25 نائبا كويتيا بطرد السفير السوري وقطع العلاقات مع النظام السوري. يا أخي للأسف هذه الأنظمة تظنّ أن ما فوق الأرض وتحتها ملك لها، وتظن أنها الوريثة الشرعية والوحيدة لبلادنا، إخواننا في ليبيا لهم ظروفهم الخاصة ونسأل الله تبارك وتعالى أن يخلصهم من هذا الطاغية.
-
هل تعتقد أن الثورة السورية ستنجح في إسقاط نظام بشار الأسد، أم أن الأمور قد تصل لحرب أهلية وفتنة طائفية كما تروّج بعض الأطراف؟
-
لم يخرج شعب في التاريخ من بيته وعاد خالي الوفاض، لم ينتفض شعب في التاريخ وانهزم، تلك هي السنة التاريخية للكون، الشعب السوري ليس استثناءً وسينتصر، فقد صمم وقدم التضحيات. أما عن قضية تحويلها إلى حرب أهلية وفتنة طائفية، فهذا مرتبط بالنظام السوري، وإلا فالمعارضة السورية تملك كل الأطياف، والمظاهرات كذلك، والمتظاهرين أيضا، ولكن النظام يستميت من أجل تحويلها إلى طائفية وحرب أهلية، ولكن لم ينجح ونسأل الله أن يخيب ظنه، ولكن أقولها وبصراحة إن الكرة في ملعب إخواننا في الطائفة العلوية، عليهم أن يرفعوا صوتهم في وجه هذا النظام ويعلنوا موقفا واضحا بالتخلي عن هذا النظام وبالانضمام للثورة، حتى لا يربطهم أحد بالنظام السوري، تاريخنا بفضل الله عريق في سورية ومثال للوحدة الوطنية ورموز الثورة السورية كانوا من كل الطوائف والأعراق وأحفادهم على الطريق سائرون إن شاء الله..
-
يتردد أن الصحافيين السوريين العاملين بقناة الجزيرة يتلقون ضغوطات من أجل الاستقالة، ما تعليقكم؟
-
لا أود الحديث عن زملائي فهم قادرون على أن يتحدثوا بأسمائهم، ولكن قرأنا تصريحا لمدير مكتب الجزيرة الأخ والزميل العزيز عبد الحميد توفيق أنه تعرّض لضغوط ونسمع هنا وهناك عن ضغوط تمارس على الآخرين ومورست أيضا، ولكن أقول هذا غيض من فيض من أساليب الضغط والقمع السوري، وإلا فبالله عليك صحافية إيرانية تحمل جنسية كندية وأميركية وهي “دروثي”، التي تعمل لقناة الجزيرة، لم نتمكن من معرفة مصيرها هل هي في سورية أم في إيران، طوال ثلاثة أسابيع، والعالم والجزيرة والكل يتابعها، فلك أن تتخيل كيف يتم التعاطي مع الشعب السوري ومع الإعلاميين السوريين المستقلين.
-
تتعرض قناة الجزيرة لنقد لاذع من عدة أطراف عن دورها في الثورات العربية، فكيف ترد عليهم؟
-
الجزيرة تمثل نبض الشارع العربي، والصحافي هو إنسان، يريد التغيير ويريد الأفضل لشعبه، فكما يحق للفنان والسياسي والإنسان العادي والمثقف أن ينحاز إلى مطالب شعبه، لا أعتقد أن الجزيرة بمعزل عن ذلك، عليها أن تنحاز إلى ثورات الشعوب برأيي، لأن القضية هنا لا تحتمل الرأيين وإنما تحتمل رأيا واحدا وهو التوجه نحو الدمقرطة والحكم الرشيد، وحكم القانون ولا أعتقد أن إنسانا سويا يقول بغير ذلك، كما لا أعتقد أن أحدا يظن أن هذه الأنظمة التي أفسدت كل شيء قادرة على الإصلاح، فالمفسد لا يصلح..
-
نشرتم كتابا تحت عنوان “بن لادن بلا قناع”، فما جديدكم الآن؟
-
في الحقيقة تشغلني مشاغل كثيرة وعلى رأسها المتابعة اليومية. نشرت قبل فترة كتابا عن طالبان باسم “طالبان الإمارة الثانية” وأعكف على كتابة كتاب بالانجليزية عن أسامة بن لادن، لا أدري هل سأتمكن من الفراغ منه في باكستان أم في بلدي الحبيب سورية..