أزمة “حمس”.. حزب غول.. ورهانات الحكومة الجديدة
ستّ وزارات كاملة تدار شؤونها بالنيابة منذ أزيد من شهرين، ووزارة بثقل وزارة العدل بلا وزير منذ شهرين ونصف، وجمهورية بلا مجلس وزراء منذ أزيد من خمسة أشهر.. وانسداد سياسي غير مسبوق يرهن مستقبل البلاد ويعطّل مصالح المواطنين.
اعتادت الجزائر أن تشهد تغييرا أو تعديلا حكوميا مباشرة بعد أي انتخابات تشريعية.. تقليد تكرّس حتى في عهد الرئيس بوتفليقة، غير أن الأمر شذّ عن القاعدة بعد التشريعيات الأخيرة. وكان يمكن ألا يحترم هذا التقليد، وتستمر حكومة أويحيى في أداء مهامها بشكل طبيعي لو كان طاقمها مكتملا.
ومعلوم أن سبع قطاعات وزارية في حكومة أويحيى الحالية، تدار شؤونها بالنيابة، وهي: العدل بعد تعيين الوزير السابق، الطيب بلعيز، رئيسا للمجلس الدستوري، والعمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، الأشغال العمومية، التهيئة العمرانية والبيئة، النقل، التعليم العالي والبحث العلمي، البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، بعد أن أصبح الوزراء الستة نوابا بالمجلس الشعبي الوطني.
الوزير المفوّض هو الوحيد الذي يخوّله القانون اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية الخاصة بقطاعه، ومعنى هذا أن الوزير بالنيابة لا يتعدى دوره تصريف شؤون هذا القطاع أو ذاك. ورآى مراقبون في إسناد بوتفليقة إدارة عدة وزارات لوزراء مكلّفين بحقائب أخرى في الحكومة الحالية، مؤشر على استمرار هذا الوضع لوقت قد يطول.
غير أن السؤال الذي بقي من دون إجابة، هو إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وما خلفيات ذلك؟
يرجع متابعون تأخّر الرئيس بوتفليقة، في تغيير (أو تعديل) حكومة أويحيى، إلى مساعي السلطة في توسيع قاعدة المشاركة في الحكومة، للخروج من العزلة السياسية التي غرقت فيها، بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي أفرزت وضعا لم يكن يتوقّعه أكثر المتشائمين بحصول جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الذي حكم البلاد طيلة نصف قرن، على أكثر من 200 مقعد، متبوعا بالأرندي وهما الحزبان المعروفان بأنهما واجهة السلطة.
وقد خلّف هذا المعطى ـ بغض النظر عن صدقيته ـ استغرابا في الداخل والخارج معا، وفجّر شكوكا حول نوايا السلطة في إرساء انفتاح سياسي حقيقي، بات أكثر من ضروري لمسايرة التحوّلات البنيوية التي تشهدها الكثير من الأنظمة العربية في الآونة الأخيرة.
وزاد قرار مجلس شورى حركة مجتمع السلم، بعدم المشاركة في الحكومة المقبلة، من عزلة السلطة، وشكّل ضربة موجعة لمبدأ توسيع قاعدة المشاركة في الحكومة، التي أرساها النظام منذ 16 سنة خلت، عندما نجح في إقناع الراحل محفوظ نحناح، بحضور حزبه في الحكومة آنذاك. وقد نجحت السلطة مذّاك في استثمار هذا المعطى جيدا، من خلال تسويق وجود أسماء من “حمس؛ في الحكومة، على أن الإسلاميين في الجزائر جزء من منظومة الحكم رغم شكلية هذا الحضور، وأنها (السلطة) لا مشكل لديها مع الإسلاميين، وذلك بينما كانت في عزلة دولية على خلفية وقف الدور الثاني من تشريعيات 1991
غير أن قرار مجلس شورى “حمس” القاضي بمقاطعة الحكومة المقبلة، أسقط رمزية مشاركة الإسلاميين في السلطة، في وقت بات فيه حضور هذا التيار في الحكم أكثر من ضروري، على الأقل لمواكبة التحولات الإقليمية، التي أصبح فيها الإسلاميون متغيرا ثابتا، بعد أن فرض نفسه على القوى الغربية كشريك لا يمكن تجاوزه في أي تحول ديمقراطي في المنطقة، وتأكّد زيف مزاعم “الفزّاعة” التي كانت ترفعها الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية في وجه القوى الغربية، لتبرير استمرارها كحل لا بديل عنه.
ويرى قياديون في “حمس”، أن ما يتردد عن مساعي وزير الأشغال العمومية السابق، عمار غول، بإنشاء حزب جديد، ليس سوى محاولة “كسر عظام” قبل أقل من أسبوعين عن انعقاد مجلس الشورى، للضغط عليه من أجل مراجعة قرار مقاطعة الحكومة “المؤجل” الإعلان عنها.
وقد أكد أحد الأسماء التي وردت في الهيئة التأسيسية لحزب غول الجديد، أن الإعلان عن المولود السياسي المرتقب، مرهون بما سيفرزه اجتماع مجلس الشورى يوم 25 جويلية الجاري، بمعنى أن عدم تراجع مجلس الشورى عن قراره السابق، سيحتم على غول إطلاق حزبه الجديد، الذي سيضم أبناء “حمس” الرافضين لخيار المقاطعة، ومن ثمة يصبح بديلا للحركة الأم في الحكومة.
وإذا تأكد هذا السيناريو، فعندها سيصبح موعد الإعلان عن الحكومة الجديدة قريبا، لأن السلطة حينها تكون قد ضمنت احترام منظومة الحكم التي أرسيت في منتصف التسعينيات، والتي تقوم، كما سبقت الإشارة، على مشاركة وحضور التيار الإسلامي، ولو كان هذا الحضور شكليا، ومن توظيفه كورقة لصالحها في وجه القوى الغربية المطالبة بتوسيع قاعدة الحكم.