أستاذ الفلسفة “محمد وادفل” في عيون زملائه وطلبته
ودّع الأستاذ الدكتور محمد وادفل أستاذ علم الكلام والفلسفة الإسلامية والمنطق الرياضي بجامعة قسنطينة 2 دنيانا الفانية يوم الأربعاء الفارط 20 جويلية 2022 على الساعة الخامسة صباحا بعد أن ألمّت به نوبة قلبية مفاجئة ببيته العائلي بالأربعاء ولاية البليدة، فلم تمهله وفاضت روحه إلى بارئها عن عمر 61 سنة، وقد كان الفقيد أصيب قبل أيام قليلة بوباء العصر (كورونا كوفيد 19) دون أن تظهر عليه آثار قد تدل على خطورة حالته، ومثلت وفاته صدمة وفاجعة لزملائه وطلبته وتلامذته، وكل طاقم كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات التعزية والتعبير عن ألم الفقد وتقدير الرجل والتنويه بأخلاقه وحرصه العلمي وانضباطه في أداء رسالته.
لقد كان الفقيد محمد وادفل أحد رموز البذل والعطاء في الجامعة الجزائرية، ومن تلك النماذج التي لا تتكرر كثيرا، ويجمع كل من عرفه أنه مثال الطيبة والخلق الرفيع، ويدرك لأول وهلة من تابع التعازي التي نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي المكانة التي كان يحظى بها بين طلبته وزملائه، فهو عند الجميع: الطيب البشوش الخلوق الخدوم، حيث كان بمثابة همزة الوصل بين قسمي الفلسفة بجامعة قسنطينة 2 التي يشتغل بها وبجامعة الجزائر2 التي يقطن قريبا منها، فكان دائما رسول العلم ومبعوث المعرفة وبريد الأساتذة والطلبة إلى مختلف المصالح، فلم يعرف عن الفقيد أنه ردّ طلبا يتعلق بالعلم الذي نذر له حياته.
كانت مسيرة الدكتور وادفل رحمه الله مع الفلسفة قديمة، فهو أستاذ هذه المادة بثانوية البتاني بالبليدة لسنوات طويلة، وقد ترك فيها الأثر الطيب الذي نتلمسه ونحن نقرأ حسرة تلامذته القدامى على فراقه، قبل أن ينتقل إلى جامعة قسنطينة 2 منذ سنة: 2005 ليتولى التدريس بها، وقد عرفه طلبته أنه أستاذ المنطق الرياضي، حيث كان يطبّق في هذا المقياس لسنوات طويلة، وهو من المقاييس الصعبة في التخصص، والذي كان الفقيد يبذل جهده لتبسيطه وحسن استيعابه، كما درّس مقاييس أخرى ترتبط بعلم الكلام والفلسفة الإسلامية؛ ذلك أن دراساته العليا كانت حول تأثير الفلسفة اليونانية في الفكر الإسلامي، وقد كان رحمه الله رئيسا لمخبر العلوم الإنسانية لعدة سنوات، وهو المخبر الذي فتح أبوابه للندوات العلمية في تخصصي الفلسفة والتاريخ، ومع الإصرار الذي أبداه في الآونة الأخيرة على الاستقالة من رئاسة المخبر وترك منصبه لزميل آخر إلا أن أعضاء الفرق العلمية التي تنتسب له تمسكت به، وبذل عميد الكلية جهده في إقناعه بالعدول عن قرار الاستقالة فتنازل واستجاب كعادته أمام زملائه، وقد خلّف الفقيد وراءه دراسات علمية عميقة صدرت بالجزائر وخارجها هي:
أثر التفكير الفلسفي في التأويل الإسلامي: تأثير المنطق الرواقي في علم الكلام (عن منشورات الاختلاف بالجزائر بالاشتراك مع دور عربية أخرى: 2018)، (المنطق أنواعه وأشكاله وبراهينه: المنطق عند الرواقيين أنموذجا (عن دار الأيام بالأردن 2018).
موسوعة الفلسفة والمنطق: الرواقية من المفهوم إلى التأثير (عن دار ابن بطوطة بالأردن 2021)
يضاف إلى هذه الكتب مقالات عديدة للفقيد نشرت بعدة مجلات داخل الوطن وخارجه وفي الكتب الجماعية للباحثين، ولم يكن يملّ عن الحركة والمساهمة في الملتقيات العلمية داخل الوطن وخارجه عندما تتاح له الفرصة، وكان في أيامه الأخيرة ينتظر صدور ترجمة لأحد كتب أستاذه أحمد موساوي؛ حيث نقل كتابه حول منطق ابن سينا من الفرنسية إلى العربية تحت عنوان: مشكلة أسس المنطق عند مفكري المسلمين في القرون الوسطى: منطق ابن سينا أنموذجا، كما كان معتكفا على إعداد مشروع لمسابقة الدكتوراه في الفلسفة للسنة الجامعية القادمة، وأما عمله الذي لم يتوقف أبدا فهو دعم طلبته وحرصه على إنجاز أعمالهم ومساعدته لهم في توفير الدراسات والأبحاث، وأولئك الذين أشرف عليهم في إنجاز مذكراتهم وأطاريحهم يعتبرونه نموذجا يحتذى به في الحرص والمتابعة والمبادرة والتوجيه الحسن.
لقد أردت أن أنقل لقراء “الشروق” هنا صورة لهذا الأستاذ الذي صدمنا لوفاته خارج ما درجت عليه المقالات التي تعرف بالباحثين علميا فقط، وذلك أن أركز على ما تحلى به من أخلاق كانت عنوانا له طيلة مسيرته الوظيفية، ففي زمن تراجع فيه خطاب القيم الأصيلة والأخلاق الفاضلة ولغة الخير والبذل والعطاء لصالح خطاب المنافع والمصالح ولغة الاستحواذ والاستئثار يجب أن نستحضر النماذج الاستثنائية التي يمثل الدكتور محمد وادفل رحمه الله أحدها، وذلك عبر توثيق شهادات زملائه وطلبته حتى لا تضيع في خضم حياة كثيرة الأخبار متعددة الاهتمامات.
لقد كان البذل والعطاء والخير في شخصية الفقيد فطريا غير متكلف، ظل طوال سنوات عمله عنوان الهدوء والرزانة، وكان مع طلبته الأستاذ والأب النصوح والموجه، وقد كانت محفظته مكتبة متنقلة يحمل فيها ما يطلبه منه الباحثون، وينقل فيها ما يتراسل به قسما الفلسفة في قسنطينة والجزائر، ولم توقفه الدرجات العلمية التي بلغها عن التحصيل، ولا ارتاح يوما من الكتابة والترجمة والقراءة والتصحيح، ولا تأخر في الإجابة على سؤال سائل أو تصحيح مبحث أو فصل لطلبته الذين يشرف عليهم، بل إنه رحمه الله كان يبادر لمراسلة طلبته معتذرا متأسفا إذا ظهر لهم أنه قد أطال – ولم يكن ذلك يحدث- لأنه كان يؤمن بالواجب ويلتزمه.
أبدأ هنا في ذكر شهادات زملاء الفقيد بالدكتور عمر بلوط أستاذ علم الآثار الإسلامية بجامعة قسنطينة 2 الذي كان الرفيق الدائم لأستاذنا رحمه الله لمدة تتجاوز 15 سنة، – وقد سكنّا معه سنوات طويلة في سكن جماعي اكتريناه مع زملاء آخرين، وهو سكنه عندما يكون في قسنطينة إلى آخر يوم له فيها-، يصفه الدكتور بلوط أنه كان “نعم الأخ والصاحب، كان الأب والأستاذ والقدوة لطلبته، يعمل تحت شعار: ما دام الله رزقنا أولادا فلابد أن نحس بأولاد غيرنا، لقد كان متدينا بشوشا طيبا، خدوما لا يرد أحدا، وقد كانت وصاياه دائما للباحثين هي التأليف والنشر؛ لأن ذلك ما يميز الأستاذ الجامعي وما يبقي أثره بين طلاب العلم”.
من كتابات زملاء الفقيد بقسم الفلسفة نسجل ما كتبته أ.د نورة بوحناش تحت عنوان: وداعا أيها الأستاذ الطيب المبتسم: “خبر صادم صباح اليوم، غادرنا زميلنا الأستاذ محمد وادفل إلى دار البقاء، كم سافر وسافر بين قسنطينة والجزائر العاصمة، اليوم انتهى سفره الدنيوي وحطّ رحاله بين يدي رب رحيم، آمن به وشكره وحمده دائما، رحمك الله أيها الطيب المتخلق، فقدانك يعدّ فاجعة لقسم الفلسفة”، وفي نفس السياق كتب أ.د محمد جديدي: “خبر صادم ومحزن … لا يمكن لكل من عرف الأستاذ محمد وادفل إلا أن يشهد له بطيبة ودماثة أخلاقه، وحسن معاملته وتواضعه الجم، وحبه للعلم وأهله، كان بمثابة همزة وصل حقيقية وجسرا فاعلا بين قسمي الفلسفة بقسنطينة والعاصمة، كان لا يتردد في تقديم خدمة تطلب منه؛ بل كان يقترح من ذاته أن يؤديها بكل فرح وسرور؛ في توصيل رسالة أو تبليغ وثيقة، كان يتحمّل عناء السفر والمشقة لأزيد من 900 كلم كل أسبوع تقريبا ويوفر ذلك على الآخرين، لم أر منه لأكثر من 20 سنة تقريبا ما يسيئه أو يسيء إلى منصبه ومهنته كأستاذ”، وبدوره كتب أ.د جمال حمود وقد كان الأستاذ المحاضر في المنطق الرياضي بنفس القسم: “لقد اشتغلت أنا والأستاذ محمد ما يزيد عن 10 سنين في تدريس المنطق، محاضرا ومطبقا، وقد لمست فيه التواضع وحسن الاستماع حتى بعد أن ترقى لرتبة الأستاذية، وكان نعم الصديق والأستاذ الخلوق، جزاه الله عنا خير الجزاء”.
من قسم التاريخ بجامعة قسنطينة 2 الذي جاور ويجاور قسم الفلسفة لعقود؛ كتبت أ.د بوبة مجاني: “لقد كان زميلنا محمد وادفل فاضلا خلوقا خدوما، يعرض خدماته على محيطه من تلقاء نفسه حبّا للخير وتخفيفا عنهم”، وفي نفس السياق شهدت أ.د جميلة معاشي له أنه كان: “نعم الأستاذ خلقا وعلما وسلوكا”، ووصفه د. أحمد حداد بـ”الأستاذ الخلوق الذي تستريح للجلوس والحديث معه، بشوشا طيبا لم يترك سوى الأثر الطيب، متطلعا دائما لمباحث العلم وقضاياه، هادئا راضيا تستريح للجلوس معه، يرى أن وظيفة الفلسفة هي فضح المزيف وكشف الوهم وإبراز ما هو خفي في ثوب واضح، وأن رسالة العقل تهدف إلى صلاح الدنيا والآخرة معا”، وكتب أ.د كمال بطوش من قسم علم المكتبات بنفس الجامعة: “خبر صادم حقا، قامة علمية هادئة، كان من أطيب الناس، الابتسامة لا تفارق محياه، إنسان خلوق ومثال في التواضع”.
لم يتأخر زملاء الفقيد الذين يقطنون معه في نفس السكن في التعبير عن عميق حزنهم لهذا الفقد، فقد كتب د. نذير برزاق أنه “الأستاذ البشوش المحترم صاحب الروح الطيبة، كان لاسمه في حياته نصيب مع أقرانه وزملائه وطلبته، جمع المحامد في أقواله وأفعاله وأحواله، لم تفارق الابتسامة شفتيه، ولا فارق الحمد والشكر لسانه، فكانت الجلسات معه متعة، والكلمات النابعة منه صادقة، والحوارات ترجمان نفسه النبيلة، وستبقى روحه بين أسوار بيتنا العامر بمدينة الجسور وصدى همساتك تلج كياننا ونجد عبيرها على الدوام”، وعبر الأستاذ مصطفى زعباط بالقول: “كان الشيخ رحمه الله طيب القلب والروح، دائم النصح بأن نؤدي واجبنا كأساتذة بكل صدق وعدالة، وأن لا نبخل بالعلم على أحد، وقد أكثر الحديث في الأيام الأخيرة عن الله وأن العبد لا بد أن يصلح علاقته بربه، وكانت آخر أمنياته أن يحج إلى بيت الله وقد كان اعتمر منذ سنوات”، أما د. يوسف سيدي دريس فقد عبر عن ألمه وأسفه بأن كتب: “كانت الابتسامة لا تفارق وجهه ولا يمكنك أن تسبقه للتحية، كان دائما يشجعنا على مزيد من التحصيل وعلى الحرص على الكتابة والتأليف، وقد اعتاد أن يوقظنا لصلاة الصبح حتى مع إرهاق السفر، ولم يكن يتوانى عن تقديم يد العون والمساعدة”، أما الأستاذ يسين بوعاملي فقال إن الفقيد “بالإضافة إلى الأخلاق الحسنة وحب العمل، تميز بابتسامة ملفتة لا تفارق محياه، ظننتها في أول لقاء جمعني به أنها ابتسامة الترحيب بوافد جديد إلى المسكن الذي يقطنه، وبعد أن توطدت صداقتنا أدركت أنها أسلوب حياة، وقد عبر عن تلك الروح بالقول: إن الفلسفة الحقيقية هي التي تجعلني مؤمنا سعيدا”.
تعدّت سمعة الفقيد الطيبة الجامعة التي يشتغل بها، لتشكل الانطباع المتفق عليه وطنيا؛ حيث نقرأ لرفيق رحلته العلمية في فرنسا أ.د فارح مسرحي من قسم الفلسفة بجامعة باتنة أن المرحوم: “كان إنسانا بشوشا طيبا كريما … خدوما لا يتأخر في الاستجابة لأي طلب”؛ بينما سجل أ.د الشريف طاوطاو من جامعة خنشلة شعوره وشهادته بالقول: “خبر أحزننا لما عرفناه عن المرحوم من طيبة وأخلاق نبيلة، يشهد له بها كل من عرفه في العمل وجاوره في المسكن، المرحوم كان رجلا خدوما لا يرد طلب طالب، فقد مثّل جسر تواصل بين جامعة الجزائر القريبة من سكناه وجامعة قسنطينة حيث كان يعمل.. عرف بتواضعه وتمسكه بدينه والتزامه بقيمه السامية سواء في تعامله مع طلبته أو مع زملائه في العمل، كما عرف بجديته وانضباطه”، بينما لخّص أ.د الجمعي شبايكي من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية صفات الفقيد الذي تعرف عليه في أحد الملتقيات الدولية بالقاهرة ثم استمرت صداقتهما بعد ذلك: “كان من خيرة الأساتذة علما وخلقا”.
لم تختلف انطباعات طلبة الفقيد محمد وادفل رحمه الله عن انطباعات زملاء العمل، كانت كلها تعبيرا عن الصدمة والدعاء بالرحمة والشهادة بالخلق الحسن والعمل الجاد، وهم أساتذة في التعليم الثانوي وطلبة دراسات عليا يتذكرون فضائل الرجل وأخلاقه السامية؛ حيث كتب سعد العيدودي: “أستاذ آخر يفارقنا على حين غفلة، فنفجع برحيله، ونعيد شريط الذكريات إلى الخلف فلا نجد غير التواضع ودماثة الأخلاق والتمكن المعرفي والفلسفي”، وفي نفس السياق كتب حسين بولعسل: “خبر نزل كالصاعقة علينا، خبر وفاة واحد من الذين كرسوا حياتهم للعلم وتقديم توجيهات قيمة لكل من درس عنده، أقل ما يقال عنه أنه كان إنسانا خلوقا وطيبا ببسمته وبشاشته التي لم تفارق محياه”، وكتب: لجموعي بن الذيب: “كان رحمه الله إنسانا خيرا عاملا مجتهدا مؤديا لرسالة العلم والمعرفة ونحن طلبته درسنا عنده وله عند الله من الشاهدين”، ونقرأ للدكتور ناصر حاج عزام قوله: “كان بمثابة الأستاذ والأب والسند الذي لم يبخل علينا بنصائحه وتوجيهاته، سواء في مرحلة الليسانس أو في مرحلة الماستر أو الدكتوراه”، ونختم بشهادة الدكتور أحمد أمين أن فقيدنا “كان مثال الباحث المجتهد والعالم المتواضع والأب الموجه، وصاحب الإرادة القوية”.
إن هذه مجرد نماذج من الشهادات التي قيلت في الفقيد، وغيرها كثير لا يمكن استيفائه في هذا المقال القصير، وهي تعبير صادق عن شخصية مميزة حظيت بمكانة يصعب تعويضها بقسم الفلسفة في جامعتنا، وما أصعب خبر الموت عندما يكون فجائيا، وليس أمام قضاء الله وقدره غير الصبر والتسليم، فاللهم ارحم عبدك محمد وادفل واغفر له وارفع درجته في عليين، واربط على قلوب زوجته وأبنائه وإخوانه واجعلهم خير خلف له. إنا لله وإنا إليه راجعون.