-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" التقت بهم ووقفت على مدى تأثرهم وعائلاتهم بجائحة كورونا

“أطفال المطلوع”.. البراءة تدفع ثمن الأزمة!

وهيبة سليماني
  • 869
  • 0
“أطفال المطلوع”.. البراءة تدفع ثمن الأزمة!

رغم استمرار التعليم خلال شهر رمضان الجاري في المدارس حضوريا نتيجة تدني الإصابات بفيروس كورونا ورفع بعض الإجراءات والقيود التي كانت مفروضة من قبل على بعض النشاطات ومؤسسات العمل، واستحسان الأولياء متابعة التلاميذ لدروسهم، وهذا بعد التوقف عن التعليم الحضوري العام الماضي، إلا أن هناك عائلات جزائرية ممن ترك فيها الحجر الصحي الذي فرضه الوباء، آثارا بليغة جعلها ترزح تحت خط الفقر، وتتألم بخروج أبنائها وهم تلاميذ، إلى الأرصفة وحواف الطرق السريعة والأسواق الشعبية، للعمل قهرا خارج أوقات الدراسة.

ياسمين، وأمين، ومريم، ووليد، تلاميذ في الابتدائي والمتوسط، جعلوا من حواف طرق السيارات، مكانا لبيع “المطلوع”، و”القطايف” و”الديول”..، يهرعون بعد انتهاء الدراسة إلى منازلهم ليحملوا بعد المحفظة، أكياسا، وطاولات صغيرة، وقد يقطعون مسافات طويلة قبل الوصول إلى ذالك المكان، وحركتهم لا تتوقف، بين سلعهم ومركبات الراغبين في الشراء التي قد تبعد عنهم عشرات الأمتار!

وتقربت “الشروق” من هؤلاء الباعة الصغار، بل التلاميذ، لمعرفة الأسباب التي تجعل أطفالا في السادسة والثامنة والعاشرة من العمر وفي بعض الأحيان أقل، يقفون لساعات في البرد معرضين أنفسهم للخطر بالقرب من زحمة السيارات وسائقين تغلب عليهم الصوم، حيث قال أمين أصغر هؤلاء الأطفال، وهو تلميذ يدرس في الابتدائي، إن والده عامل يومي ولا يستطيع تلبية كل الحاجيات الضرورية للعائلة، وإنه يرى العطلة الأسبوعية، فرصة لتمضية الوقت والعمل معا.

“ملائكة” حواف الطرقات السريعة يتكلمون..

وكان أمين، يتحدث كرجل صغير، حيث ينتبه إلى السيارات التي تتوقف بالقرب من طاولته، ويجيب بخفة عن السائقين الذين يستفسرون عن سعر “خبزة المطلوع”، ولا يمل الذهاب والإياب، وهو ينتعل حذاء بلاستيكيا “صندالة” دون جوارب وأصابع قدميه الظاهرة تلطخت بالطين، وفي جو بارد يستمر في البيع، حسب ما قاله لنا، إلى ساعة أو نصف ساعة قبل الأذان.

ياسمين، البالغة من العمر 12سنة، كانت أكبر هؤلاء الباعة الأطفال، فهي تدرس في المتوسط، ووجدت من عطلة الأسبوع، فرصة لربح بعض النقود، لشراء مواد استهلاكية أخرى تحتاجها عائلتها لإعداد مائدة رمضان، وللمشاركة في سد بعض الضروريات الملحة، كانت هي الأخرى لا تكف عن الحركة والتنقل بين أقرانها من التجار الصغار، وتحرس من هم اصغر منها سنا، أمها مطلقة ولديها شقيقتان، وهن يعشن في ظروف قاسية، دون أي دخل سوى نفقة الأب.

قالت وهي تلتفت يمينا وشمالا وكأنها في مهمة حراسة وتجارة، إن بيعها “المطلوع” في أوقات خارج ساعات الدراسة، أمر محتوم، وإلا حسبها، يموتون جوعا، واعتبرت ما تقوم به، تمضية أيضا للوقت في رمضان، وخاصة أنها تستأنس بأطفال مثلها.

وفي سوق “مقطع خيرة” المعروف ببيع الديك الرومي واللحوم الحمراء، وجد الكثير من التلاميذ وهم أكثرهم في أقسام المتوسط والثانوي، من بعض الأعمال والبيع الموسمي، فرصة لربح المال خارج أوقات المدرسة، فمنهم من يقوم بعملية تقطيع اللحوم، وبعضهم يبيع حليب الماعز على حافة الطريق، وآخرون يتولون مهمة “تشويط الزلوف”، أو غسل الأمعاء والمساعدة في تنظيف “الجزرات”، وغيرها من النشاطات الصغيرة المتعلقة دائما بعمليات الذبح والبيع.

وحراسة حظائر غير شرعية، من طرف بعض الأطفال، مهمة أخرى في الأسواق الفوضوية، مثل سوق “مقطع خيرة”، أين وجدنا سمير وهو تلميذ يدرس سنة أولى ثانوي، وكان رفقة زميل له في نفس القسم، قال إن العمل أمر ممتع في رمضان، وهو فرصة لسد احتياجات العائلة، ورد زميله وهو يبتسم: “ماذا تريدون منا، أن ننشغل بالحبوب المهلوسة، أو أن تملأ وقتنا بالعمل الحر الذي يشغلنا عن أمور أخرى ويعلمنا التجارة في الصغر!”.

ويتكرر مشهد عمل الأطفال وخاصة المتمدرسين، خلال الشهر الجاري، في العديد من نقاط البيع التي تشهد حركية تجارية، مثل الأسواق الشعبية، والمساحات أين تعرف بعض النشاطات، وفي الأحياء الشعبية، وعلى حواف طرق السيارات مثل منطقة دواودة، وبوسماعيل وبوهارون، وبالقرب من مناطق فلاحية.

مناطق بالعاصمة يغزوها الأطفال للتسول والعمل

أكد الناطق باسم شبكة الدفاع عن حقوق الطفل الجزائري “ندى”، فؤاد غلام الله، لـ”الشروق”، أن عمل الأطفال ظاهرة عادت بقوة خلال شهر رمضان الجاري، وأن هؤلاء تلاميذ يقسمون وقتهم بين الدراسة والعمل، وبعضهم يتغيبون أحيانا، من أجل مهمة البيع في الأسواق الشعبية، كما أن الكثير منهم يعرضون أنفسهم للخطر من أجل بضعة دنانير.

وأوضح أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي خلفتها جائحة فيروس كورونا، وما تبعها من إجراءات الحجر وحظر التجول وتعليق بعض النشاطات، أثرت تأثيرا عميقا على بعض الأسر الجزائرية، وجعلتها تعاني الفقر، وتدفع بأولادها إلى العمل مرغمة، حيث لم تجد سندا آخر ولا من يغطي حاجياتها الضرورية.

وقال غلام الله، إن الشوارع الجزائرية تعرف انتشارا لأطفال تتراوح أعمارهم بين 10 سنة و18 سنة، يعملون في مختلف النشاطات دون أي رقابة أو حماية، وأن بعض التلاميذ انشغلوا عن دراستهم في شهر رمضان الجاري، وهذا حسب اتصالات يومية تستقبلها الشبكة عبر الرقم الهاتفي الأخضر المفتوح مجانا لاستقبال مكالمات تتعلق بظروف الطفل.

وأفاد ممثل شبكة”ندى”، السيد فؤاد غلام الله، أن هناك الكثير من المناطق في العاصمة والعديد من المدن الكبرى في مختلف الولايات وضواحيها، أصبحت مكانا مفضلا لعشرات الأطفال سواء للتسول أم العمل، مثل منطقة شراقة وبابا حسن، دواودة، وفي مداخل بعض المدن مثل الجهة الشرقية للعاصمة، بينها الطريق المؤدي إلى برج الكيفان.

حملات تحسيسية لمشاركة الجميع في قضية عمالة الأطفال

وقال فؤاد غلام الله، إن الوضع الاقتصادي للكثير من الجزائريين، متدهور ودائرة الفقر تزداد اتساعا، حيث ينبغي حسبه، التفكير في الظروف المحيطة بالطفل، وهي حسب رأيه، مهمة ومسؤولية الجميع، وإن ثقافة التبليغ نوع من الوعي الجماعي، التي ينبغي أن يتحلى بها المجتمع، خاصة في ما يتعلق بالتبليغ عن ما يمس كرامة وحق الطفل، كالتبليغ عن استغلال أطفال في التسول والعمل مثلا.

وأكد غلام الله، أن شبكة”ندى”، ستقوم خلال هذا الشهر بحملات تحسيسية حول عمل الأطفال خاصة وأنهم في مرحلة دراسة، داعيا وسائل الإعلام إلى مزيد من الحملات التحسيسية، والمشاركة في مبادرة الشبكة، قصد حماية الطفل الذي يعتبر عنصر مهم لبناء المجتمع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!