أطفال يبيعون “المطلوع” للهفة الصائمين
أيام قليلة تفصلنا عن الشهر الفضيل، وأجواء التهيؤ لاستقباله عمّت مختلف الشوارع والأحياء الشعبية، التي تزاحمت فيها الطاولات واصطفت لتعرض ما يجبر المواطن على التوقف لبرهة وتفحص ما يعرضونه من سلع، لكن ما يثير الفضول هو من يشرف على تلك الطاولات، إنهم أطفال في عمر الزهور، أجبرتهم الظروف على امتهان التجارة الموسمية للتخفيف من أعباء الحياة التي باتت عسيرة على العائلات الفقيرة.
دخول عالم التجارة الفوضوية لا يقتصر على الشباب، بل تعداه إلى الأطفال الذين دخلوا هذه المهنة، يساومون ويبيعون، يقنعون ويجادلون، ليظفروا بدنانير مقابل بيع “ربطة المعدنوس”، “كرافس”، أو “الديول”، أو “الشاربات”…. منتجات يشترونها ويعيدون بيعها، وأخرى تحضّر في المنزل، بالإضافة إلى مواد غذائية موسمية مثل “الفلان” “العينة”، “الزبيب”… كما تعترضك في الأسواق الشعبية سلال “المطلوع” والخبز بكل أنواعه على الأرصفة التي تضج بهم.
صبيان أصبحوا رجالا في زمن لا يرحم
أطفال في مقتبل العمر تحولوا إلى تجار أثناء العطل المدرسية، واحترفوا التجارة لتأمين مصروف العائلة خلال شهر رمضان، ومصروف الدخول المدرسي، متحملين أعباء مسؤولية البيت قبل أن يحين الوقت. أجسادهم النحيلة معرضة لحرارة الشمس الحارقة لساعات طويلة في عز الصيف، خاصة مع الارتفاع المذهل للحرارة هذه السنة، التي منعت حتى الكبار من الخروج إلى الشارع، وجعلتهم لا يفارقون المنازل أو السيارات أو المقرات التي تتوفر بها المكيفات الهوائية، غير أن هذا الموضوع لا يعني البراعم من قريب ولا من بعيد، وكل ما يهمهم هو تأمين بعض المال لسد حاجياتهم وحاجيات عائلاتهم الفقيرة. ويروي “كمال” صاحب محل للمواد الغذائية بحي باب الواد الشعبي، قصص العوز التي تدفع أطفالا ليصبحوا رجالا في زمن لا يرحم، أين حدثنا عن “لطفي” الطفل صاحب 12 ربيعا والذي التهمت أمواج البحر جثة والده، ولأنه أكبر إخوته، اضطر لامتهان تجارة الأرصفة من خلال بيع “الديول”صباحا و”المطلوع” مساء وهو يضطر لمساعدة والدته في بيع ما تحضره، لتأمين مصروف خاص لشراء ملابس الدخول المدرسي والكتب بسبب عوزهم.
المنتجات المنزلية تجارة رابحة على حساب البراءة
ولوج عالم التجارة ولو كانت موسمية، من طرف الأطفال، لم تفرضه فقط الحاجة أو الفاقة، فالكثير من العائلات الجزائرية باتت تستغل أطفالها لبيع ما تصنعه ربات البيوت من أكلات يكثر عليها الطلب من الجزائريين خلال شهر رمضان أو بعده، بسبب الربح السريع والكثير الذي تدره، وهي أكلات وجدت مكانا لها بين طاولات التجار الفوضويين وسط الأسواق الشعبية، وعلى الطرقات السريعة. تجارة رابحة ولو على حساب البراءة، فالكثير من العائلات حولت منازلها إلى ورشات لصناعة “الشاربات” و”المعجنات”، من أجل كسب أموال إضافية تعينهم على زيادة “مدخولهم” خاصة بالنسبة للعائلات كثيرة الأفراد، والتي لا يمكن فيها أن يتحمل فرد واحد الإنفاق لوحده، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتواضع الراتب الشهري.
“مطلوع سخون” وموت محدق على الطريق السريع
التجارة التي يمارسها البراءة مع حلول كل عطلة مدرسية، تشهد انتشارا أيضا على الطرقات السريعة، في مشهد أقل ما يقال عنه سوداوي، أطفال يعرّضون أنفسهم للخطر والموت، وهم يلهثون بسلال “المطلوع”، و… وهذا ما يمكن ملاحظته على مستوى الطريق السريع الرابط بين العاصمة والبليدة، أو تيبازة، وأغلبهم من أبناء الأحواش والمزارع القريبة من المنطقة، بعضهم من عائلة واحدة والبعض الآخر أصدقاء أو جيران، يصطفون تحت أشعة الشمس الحارقة للظفر بدنانير معدودة، فأي لقمة هذه التي تهنأ بها عائلاتهم؟