أطفالنا يواجهون مشكلات دراسية.. لمن نوجه أصابع الاتهام؟
عاد أمجد البالغ من العمر تسع سنوات إلى البيت وهو يصرخ وقد قذف بحقيبته المدرسية على درج البيت قائلاً: ” أنا طالب فاشل، فلماذا أذهب إلى المدرسة، فقد خلقني الله ليعذبني”!
صدمت والدته من كلامه ولم تتمالك نفسها لتبكي، فطفلها يعاني من صعوبات التعلم كما قال الأطباء، وهي تحاول تعزيز ثقته بنفسه، لكنه يعاني من معلم قاسي لا يتفهم طبيعة مشكلاته الدراسية.
ومشكلة أمجد يعاني منها الكثيرون غيره باختلاف مستوى حاله التأخر الدراسي، فأكدت الإحصاءات أن حوالي 20%من مجموع الطلاب في العالم يواجهون أحد أشكال صعوبات التعلم، وأن 10%منهم يعاني من مشكلات عسر القراءة الذي يعيق تقدمهم الدراسي، وينعكس ذلك في بعض الأحيان علي صحتهم النفسية خاصة مع ولولة الآباء والأمهات بأن مستقبل أبنائهم في خطر!
وتعتبر قضية صعوبات التعلم من القضايا الشائعة في مجال التربية، ومن هنا بدأ المختصون في دراسة هذا الجانب بهدف التعرف علي مظاهره في الجوانب الأكاديمية والحركية والانفعالية، ويؤكد هؤلاء المتخصصون أن الطلاب الذين يعانون من صعوبات التعلم عادة يكونون أسوياء ولا يلاحظ عليهم أي مظاهر تستوجب تقديم معالجة خاصة، فيعتقد المعلم أو الآباء بأن طفلهم يعاني من الكسل أو الغباء وهنا تكون النتيجة مزيد من الفشل والمعاناة.
صعوبات التعلم.. هل هم معاقين؟
حملنا هذه الهموم وتوجهنا للدكتور محمد عبد السلام أستاذ الطب النفسي ومقدم دراسة بعنوان ” صعوبات التعلم والتأخر الدراسي عند الأطفال” والذي يبدأ حديثه قائلاً: ” صعوبات التعلم حالة ينتج عنها تدن مستمر في التحصيل الدراسي للتلميذ مقارنة بزملائه في الصف الدراسي، ونعبر عنها بمصطلح إعاقات التعلم أحيانا، وهي اضطراب يؤثر في قدرة الشخص علي تفسير ما يراه وما يسمعه أو في ربط المعلومات القادمة من المخ، وقد تظهر هذه الصعوبات مع اللغة المكتوبة والمسموعة، وصعوبات في التنسيق والتحكم الذاتي أو الانتباه.
وعندما نبحث عن تعريف لمفهوم صعوبات التعلم من خلال الدراسات والبحوث العملية نجدها تعرفه بالاضطراب في القدرة علي التعلم بصورة فعالة بمدي يتلاءم مع قدرات الفرد الحقيقية،فمفهوم صعوبات التعلم يشمل مجموعة كبيرة من الأطفال الذين لا يدخلون ضمن فئات الأطفال المعوقين، لكنهم بحاجة إلي مساعدة لاكتساب المهارات المدرسية، وتضم هذه الفئة أفراداً ذوي نسبة ذكاء متوسطة، أو ما فوق المتوسطة، ومع هذا يعانون من مشكلات تعليمية تجعلهم يتعثرون في تحصيلهم الدراسي.
وهناك بعض الخصائص المشتركة وإن تفاوتت نسبتها بين الأطفال ذوي الصعوبات التعليمية، كأن تكون الصعوبة ذات طبيعة خاصة، وليست ناتجة عن أي حالة إعاقة، وأن يكون لدي الطفل شكل من أشكال التباعد أو الانحراف في إطار نموه الذاتي في القدرات، وقد تكون ذات طبيعة سلوكية كالتفكير أو تكوين المفاهيم، أو أن يكون مركز الثقل في عملية التميز،والتعرف علي حالات صعوبات التعلم من وجهة نظر سيكولوجية وتعليمية. ,
وهنا فمن الضروري التفرقة بين حالات صعوبات التعلم، وبعض الحالات الأخرى كالتأخر الدراسي، وبطء التعلم، أو الضعف العقلي، حيث إن بعض الناس يخلط بين هذه المفاهيم.
علاقة صعوبات التعلم بالتأخر الدراسي
وعن علاقة صعوبات التعليم بالتأخر الدراسي يضيف قائلا: ” بالنسبة للتأخر الدراسي قد يعرفه التربويون بأنه الانخفاض في مستوي التحصيل الدراسي عن المستوي المتوقع في اختبارات التحصيل، أو الانخفاض عن مستوي سابق من التحصيل، أو أن يكون هؤلاء الأطفال مستوي تحصيلهم أقل من مستوي تحصيل أقرانهم العاديين الذين في مثل أعمارهم، وقد يكون تأخرا عاما في جميع المواد الدراسية أو تأخرا في مادة معينة بعينها.
وكما ذكرنا فالأطفال بطيئي التعلم يكون معدلات نموهم أقل في التقدم بنسبة لمتوسط معدل العاديين، فهم أقل طولا وأثقل وزناً، ولكن ليس بدرجة التي تستدعي علاجاً وقد يظهر عندهم ضعف في السمع أو عيوب في الكلام، أو سوء التغذية، والطفل بطئ التعلم رغم وجود صعوبة لديه في تعلم الأشياء العقلية المرتبطة بالذكاء فإنه يحرز تقدماً في نواح أخري غير عقلية مثل القدرة الميكانيكية أو التذوق الفني، وهم غير ناضجين انفعاليا فكثيرا ما يصيبهم الإحباط.
وحول علامات صعوبات التعلم عند الأطفال تضيف د. حنان الفقي مدير مركز ” ابني متفوق” للتخاطب قائلة: “ هؤلاء الأطفال يعانون من قصور في العمليات النفسية التي تدخل في فهم أو استخدام اللغة المنطوقة أو المكتوبة، أو قد يعانون الحركة الزائدة وكثرة النشاط والاندفاعية وهي ظاهرة مركبة من مجموعة صعوبات تتعلق بالقدرة علي التركيز، أو قد يعانون اضطرابات في الإصغاء، وشرود الذهن والعجز عن الانتباه والميل للتشتت نحو المثيرات الخارجية، أو صعوبات لغوية تظهر في النطق أو الصوت ومخارج الأصوات.
كما يعاني البعض من الاندفاعية والتهور في إجاباتهم، أو صعوبات في الذاكرة وفقدان القدرة علي توظيف أقسام الذاكرة مما يدفع المعلم لتكرار التعليمات، ونجدهم يسألون المعلم تكرارا عن المهمات أو الأسئلة التي يوجهها للطلاب، ومنهم من يعاني صعوبات في تكوين علاقات اجتماعية سليمة، فهم دائما ما يخفقون في بناء علاقات اجتماعية سليمة.
وعن أشكال هذا القصور تضيف قائلة: يظهر في نقص القدرة علي الكلام والاستماع وإدراك الكلام المسموع، أو الخلط بين الحروف المتشابهة مثل(ق- ف..س- ش..د- ذ..)، أو نقص القدرة على الهجاء والقراءة وكذلك ضعف القراءة الشفهي، أو عكس الحروف والأرقام عند الكتابة وكذلك عند القراءة، أو ضعف الاستيعاب القرائي والضعف في التقيد بقواعد، أو نقص القدرة علي أداء العمليات الفكرية وكذلك عدم إدراك التسلسل في الأرقام مثلا، أو نقص القدرة علي القيام بالعمليات الحسابية
علاج ضعف القراءة
ويتساءل الكثير من التربويين عن مقترحات علاجية لضعف القراءة والكتابة، وبهذا الخصوص يقول د. محمد صبحي: “يعتمد بعض التربويين على أسلوب التدريبات المكتوبة، فهو يدرب التلاميذ علي القراءة والكتابة، ويحرص علي وجود مذكرة خاصة بكل تلميذ يكتب بها تصحيح للكلمات التي يخطئ بها، ويدربهم علي الربط بين التحليل الصوتي والكتابي، وتدعيم ذلك بالتمارين الأسبوعية المنتظمة لهم بجانب الواجبات الصيفية المنزلية.
كما يجب أن يحرص المعلم علي إثارة ميول التلاميذ وجذبهم للقراءة والكتابة، وأن يبدأ مبكراً في معالجة الضعف مع تنويع أساليب المعالجة، مع تعزيز ثقة التلميذ بنفسه، وحسن اختيار المواد التعليمية البسيطة، وتصحيح أخطاء التلميذ في القسم الدراسي مباشرة في ساعات الإملاء خاصة.
أما بالنسبة للطريقة الصوتية اللغوية فهي طريقة من انجح الطرق فهي تحقق نتائج جيدة، إذ تعتمد علي مهارات الكتابة والتهجئة والخط والمقدرة علي تكوين الجمل والتعبير عن الأفكار،لكن يجب في الأول تدريس التلاميذ أسماء الأحرف التي يتعلموا الصوت الذي يمثله كل حرف.
صعوبات التعلم.. وراثي؟
وعن علاقة صعوبات التعلم بالوراثة تضيف د. حنان قائلة: ” هناك العديد من الأسباب التي تكون مسئولة بشكل مباشر في حدوث الصعوبة التعليمية، منها الموروثات كالعوامل الجينية، أو الأسباب الإحيائية الكيماوية، أو إصابة في المخ، أو حتى خلل وظيفي مخي بسيط، أو إعاقة في الإدراك أو القصور الوظيفي الدماغي، أو عسر القراءة والكلام.
لكن هناك عوامل تمهد لوجود الصعوبات واستمرارها لدى الطفل كاضطرابات الانتباه، والضعف في الإدراك أو التميز السمعي والبصري أو الحركي، والقدرات التفكيرية الغير مناسبة، والتأخر اللغوي.
كما أن للضغوط الأسرية واتجاهات المربين السلبية دور في صعوبات التعلم والتأخر الدراسي للطفل، وعدم متابعة الآباء للأبناء في المدرسة، وسوء معاملة الآباء للبناء، وعدم رعايتهم، أو سوء معاملة المعلم للتلميذ، كما أن عدم مراعاة المعلم الفروق الفردية بين التلاميذ يدعم هذه المشكلات، وطرق التدريس الغير مناسبة، وعدم جاذبية المادة الدراسية وصعوبتها، وطول المنهج الدراسي وعدم الاستفادة منه، وعدم تشجيع المعلم للتلميذ، بالإضافة لعدم التعاون بين المدرسة والمنزل في متابعة الطفل.
تضافر الجهود
وبالتالي فللمعلم دور كبير في تحسن الطفل أو تدهور وضعه لذلك يجب التركيز على أهمية تنسيق متابعة المعلم والأهل للطفل سويا، كما أنه علي المعلم اكتشاف نواحي القوة والضعف لدي التلاميذ وإعداد برامج تقوية أو علاج لها، كما أن عليه خلق جو من التعاون بينه وبين التلميذ، وتشجيع التلميذ علي اكتشاف العلاقات المختلفة بين المواد المتعلمة الجديدة وبين المعلومات القديمة، وذلك من أجل تسهيل عملية الانتقال بحيث تكون قدرة التلميذ علي التحصيل أفضل، وتقيم الصفات المميزة للمادة الجديدة والتأكد من فهم التلميذ لها وأن يربطها بمعلومات سابقة، والتعرف علي إستراتيجيات التعلم لدي التلميذ وتدريبه علي استخدامها واستخدام إستراتيجيات تعليمية تناسبه.
كما يجب استخدام الوسائل التعليمية المختلفة كالسمعية والبصرية والمحسوسة لإيصال المعلومة بشكل أفضل وأسرع، مع ضرورة جلوس التلميذ في الصف الأمامي المواجه للسبورة بعيدا عن كل ما يشتت الانتباه، وتكليف كل تلميذ بعمل أنشطة خاصة به ومناسبة لقدراته مع متابعته، وتعزيز نجاح وتحسن أداء التلميذ، وإشراكه في الأنشطة المختلفة بالمدرسة وتكليفه بالقيام ببعض الأعمال البسيطة لبث الثقة في نفسه وتعويده الاعتماد علي النفس، وتقبل الطفل كما هو ولا ننتظر منه المستحيل.
وعلي الوالدين التعرف علي القدرات والصعوبات التعليمية لدي الطفل ليعرفا أنواع الأنشطة التي تقوي لديه جوانب الضعف وتدعم القوة، وبالتالي تعزز نمو الطفل وتقلل من الضغط وحالات الفشل التي قد يقع فيها، بالإضافة كما قلنا التنسيق مع المدرسة.