أكرم جغيم للعربي: شخصية “الذيب” في “البراني2” تعتمد على قوة الحضور
اليوم، وبعد مسيرة فنية تتجاوز عقدًا ونصف عقد من العمل المتواصل، بين المسرح والتلفزيون والسينما، وأكثر من 33 عملاً فنياً، يُعد المُمثل أكرم جغيم حاليا، أحد أبرز الأسماء في الساحة الفنية الجزائرية.. “جغيم” المعروف بقلة لقاءاته الصحفية والتلفزيونية، خصّ مجلة “الشروق العربي” بحوار حصري، تحدث فيه عن شخصية “الذيب” التي جسّدها في “البراني2″، عن أدواره، تقمصه للشخصيات، شغفه بالتمثيل وغيرها.. تابعوا:
تستهويني الأدوار المُعقدة !!
من هشام في “حداش حداش” إلى سامي في “بنات المحروسة” وصولا لدور “الذيب” في “البراني2”.. هل أصبحت الأدوار الصعبة والمُركبة تستهوي الفنان أكرم جغيم؟
– في الحقيقة، هذا التوجّه لم يبدأ مع مسلسل “حداش حداش”، بل بدأ قبلها بسنوات طويلة، فالأدوار المُعقدة كانت دائمًا تستهويني، خاصة الشخصيات التي تتميز بالصراع الداخلي، الأبعاد النفسية، والعُمق الإنساني. وأنا بطبعي أحب الغوص في التفاصيل الخفية للشخصية: خوفها، ضعفها، تناقضاتها، وحتى الجانب المظلم فيها.. ثم سأقول لك شيئا مهما..
تفّضل..
– الشخصية السهلة مُمكن أن تنجح جماهيريًا، لكن الشخصية المركبة تضع المُمثل يعيش رحلة حقيقية، وتجعل الجمهور بالتالي يتفاعل معها بصدق. أنا مؤمن بأن الفن ليس مجرد أداء بل هو فهم للإنسان، وكلما كانت الشخصية أقرب لتعقيد الإنسان الحقيقي، كان التحدي أكبر والمتعة أعمق.
نفسيا وبدنيا، هل تُتعبك مثل هذه الأدوار؟
– أكيد هي متعبة، لأنك عندما تدخل في شخصية مُعقدة فأنت لا تستطيع تمثلها
من الخارج فقط، بل يجب أن تعيشها من الداخل، وأحيانا تبقى معك حتى بعدما ينتهي التصوير. أما نفسيا، فيكون فيه استنزاف، خاصة عندما تكون الشخصية تعيش ضغطا، عنفا داخليا، أو تناقضات قوية. يجب أن تعرف كيف تدخل وكيف تخرج منها. بدنيًا أيضًا هي متعبة، لأن الحالة النفسية تنعكس على الجسد: طريقة المشي، النظرة، التوتر العضلي.. كلها تفاصيل تتطلب طاقة وتركيز.
كيف تم ترشيحك لمسلسل “البراني2″؟
– كان هنالك تقارب كبير في الرؤى بيني وبين المخرج يحي مزاحم، خاصة حول موضوع “الجواطنا – لي جيطون”. كانت لدينا جلسات مطوّلة تناقشنا فيها حول الخلفية الاجتماعية والنفسية للفكرة، وحول كيف يمكن تجسيدها دراميا بشكل صادق بعيد عن السطحية، ومن هنا ارتأينا أن تكون شخصية “الذيب” حاضرة في “البراني2″، لكن ليس بشكل تقليدي. اتفقنا منذ البداية أنها شخصية محورية، بحيث لا تعتمد على كثرة الظهور، بل على قوة الحضور.
يعني شخصية لها حضور رمزي..

– سأشرح لك: فكرة “الذيب” بالنسبة لنا كانت رمزية، فالذئب في الحقيقة لا يظهر كثيرا، لكنه حين يظهر يترك أثرًا واضحًا، يبصم حضوره ثم يختفي مُجددًا. وهذا ما أردناه للشخصية: حضور محسوب، ظهور في لحظات مفصلية، وتأثير يبقى حتى بعد غيابها.
يُشّرفني لقب “ألباتشينو الجزائر” !!
الجمهور بات يطلق عليك لقب “ألباتشينو” الجزائر.. ما رأيك في هذا اللقب، أم إن الألقاب لا تستهويك؟
– اللقب يُشّرفني طبعًا، لأن “ألباتشينو” قيمة كبيرة في عالم التمثيل، ومدرسة قائمة بحد ذاتها في العمق والأداء الداخلي. أي ممثل يتمنى أن يُقارن باسم بهذا الحجم. المقارنات جميلة وتعكس محبة الجمهور، لكن الأهم بالنسبة لي أن أكون أكرم جغيم بنكهته الخاصة، بتجاربه، بخلفيته المسرحية. بالتالي، إذا كان اللقب نابعا من تقدير الناس لأدائي، فهذا شرف أعتز به.
كيف حضّرت للوك “الذيب” وللشخصية عموما؟
– تحضير شخصية “الذيب” لم تكن سهلة، البداية كانت بفهم خلفية الشخصية نفسيًا واجتماعيًا، بمعنى: من هو هذا الرجل، ما دوافعه، وما الصراعات التي يعيشها داخليًا. أما عن “اللوك”، فهو امتداد للشخصية في طريقة المشي، النظرة، الصوت، وحتى الصمت. كل حركة وكل نظرة جاءت لتعكس حضور “الذيب” الغامض.. حتى الملابس والإكسسوارات كانت مدروسة لتخدم البصمة التي يتركها هذا الدور.
فكرة الجمع بين عملين: “البراني2” و”الفراق2″، ألا يُشتت تفكيرك وتقمصك لكل شخصية على حدة؟
– بصراحة، الأمر تحدّ كبير، لأن كل شخصية لها عالمها النفسي وأبعادها الخاصة، والجمهور يحتاج أن يشعر بالصدق في كل عمل. لكن بالنسبة لي، الفارق يكون في التنظيم والتركيز، أحاول فصل كل شخصية تمامًا، بحيث لا تتداخل العواطف أو السلوكيات بين الشخصيتين. في الواقع، هذا التنقل بين شخصيتين متوازيتين يطوّر من المُمثل ويقويه، لأنه يُجبره على إدارة طاقته الذهنية والعاطفية بشكل أكثر دقة. فكل شخصية لها إيقاعها ولغتها الجسدية.
نحن من أضفنا نُكهة خاصة لمُسلسل “حداش حداش”..
هل تشعر بأن مرحلة ما بعد مُسلسل “حداش.. حداش” هي نُقلة نوعية وجديدة في مشوارك؟
– بصراحة، مسلسل “حداش حداش” نحن من أضفنا له نكهة خاصة.. المسلسل جميل في حد ذاته، لكن كلنا كمُمثلين أضفنا له، كل واحد بخبرته وتعبيره وشخصيته.. كانت تجربة مميزة جدًا، خصوصًا أننا تعاملنا مع مخرج شاب مبتدئ، بحيث كان أول عمل تلفزيوني له. صدقا التجربة كانت غنية وممتعة، والجميل فيها أننا تركنا بصمتنا في العمل بمعنى ليس العمل من صنعنا، بل نحن من صنعنا العمل.
شاركت في السينما.. وبدأت من المسرح، وبينهما تألقت عبر الشاشة الصغيرة، أي مجال تراه هو الأقرب لك: السينما، التلفزيون أم المسرح؟
– في الحقيقة، كل مجال له جماله الخاص والتحديات التي تميّزه. المسرح علّمني الانضباط، التحكم في الصوت والجسد، والقدرة على التفاعل المباشر مع الجمهور، وهذا أساس أي ممثل. التلفزيون أعطاني فرصة الوصول إلى جمهور واسع، أما السينما، فهي مدرسة دقيقة جدًا، لأنها تتطلب القدرة على التعبير بأقل الحركات وأصغر النظرات، مع الانغماس الكامل في اللحظة.
اتجهت مؤخرا للإخراج (كليب “تالفة”)، هل سنراك في هذا المجال مُجددا، أم طموحك أكبر لإخراج فيلم سينمائي؟
– تكويني في السينما كان كمخرج وليس كممثل، وهذا شيء أفتخر به جدًا، لأنه أعطاني نظرة شاملة عن صناعة الفيلم من الداخل، وفهم أعمق لكيفية بناء المشهد، الشخصية، والإيقاع الدرامي. كليب “تالفة” لم يكن أول تجربة لي في الإخراج، بل سبقته عدة أعمال مثل مسلسل “ذئاب الحب”، وسلسلة “دار بوب”، وسلسلة “عودة المفتش الطاهر”، وغيرها. كل هذه التجارب أعطتني فرصة لتطوير رؤيتي الإخراجية وفهم أساليب مختلفة في سرد القصص بصريًا، والعمل مع فرق فنية متنوعة. وطبعًا، إن شاء الله، سيكون هناك أفلام من إخراجي في الأعوام القادمة. هذه مشاريع أحلم بها منذ زمن، وأعمل على تطويرها خطوة بخطوة.
من هو أكرم جغيم..؟؟
أكرم جغيم من مواليد سنة 1986م بولاية باتنة، مُمثل جزائري بدأ مشواره الفني في سن مبكرة جدًا، حيث انخرط في المسرح الهاوي، ضمن جمعية تُدعى “النوارس” في بوقرة بولاية البليدة، فكانت تلك هي الانطلاقة الحقيقية التي صقلت موهبته، ووّجهت مساره نحو الاحتراف.
تكوينه المسرحي كان حجر الأساس في مسيرته، إذ تعلّم على يد أساتذة مُختصين، واكتسب أدوات أكاديمية مكّنته من التحكم في الأداء، وفهم البناء النفسي للشخصيات، والتعمق في الأدوار المركبة. هذا التكوين انعكس بوضوح على حضوره أمام الكاميرا، وجعل منه مُمثلًا قادرًا على الانتقال بسلاسة بين الدراما الاجتماعية، التاريخية، وحتى الأدوار ذات الطابع النفسي المعقّد.
مُنذ بدايته، شارك أكرم جغيم في أكثر من 15 عملًا تلفزيونيًا، وما يفوق 19 عملًا سينمائيًا، بين أفلام طويلة وقصيرة ومسلسلات وأفلام تلفزيونية أيضا .
في التلفزيون، تنوّعت مُشاركات “جغيم” بين أدوار البطولة والأدوار المحورية في أعمال مثل: “أحلام مؤجلة”، “أسرار الماضي”، “دموع القلب”، “الحب والعقاب”، “شتاء بارد”، “النار الباردة”، “لالة زينب”، “النفق”، “ليّام”، “السلطان أمود”، “أنين الأرض”، “حداش حداش” بجزأيه، ثم لاحقًا “بنات المحروسة”، وصولًا إلى “الفراق2″ و”البراني2” الذي يُعرض ضمن السباق الرمضاني 2026.
سينمائيًا، تعاون أكرم جغيم مع عدد من أبرز المخرجين الجزائريين والعرب. من أهم مشاركاته فيلم “السطوح” للمخرج مرزاق علواش، الذي حظي بإشادة نقدية واسعة، وفيلم “زبانة” للمخرج سعيد ولد خليفة. كما شارك في فيلم “غروب الظلال” للمخرج الكبير محمد لخضر حمينة، أحد أهم الأسماء في تاريخ السينما الجزائرية والعربية، وهو تعاون يُعد محطة مهمة في مسيرته الفنية نظرًا لقيمة المخرج ورمزيته السينمائية.
إلى جانب ذلك، قدّم أكرم أدوارًا متنوعة في أفلام تاريخية واجتماعية، ما عزّز حضوره في المشهد السينمائي، حيث إن بعض هذه الأعمال كانت حاضرة في مهرجانات دولية مرموقة على غرار فيلمه الأخير “رقية ” للمخرج ينيس كوسيم الذي عُرض في مهرجان البندقية في أسبوع النقاد.
على صعيد الجوائز، نال أكرم جغيم عدة تكريمات، من بينها جائزة أفضل دور رجالي في مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي بتونس، إضافة إلى تكريمات وطنية اعترافًا بمشواره الفني المتصاعد.