أمريكا والمنطقة.. هل هو تغير في الطبيعة أم الدور؟
لا يلتفت الغربيون باحترام إلى “زعل” حكام الخليج، ولا بشفقة إلى “قلق” إسرائيل، ويكون في نظرهم أنهم قد أدخلوا إيران حلبة لا يمكن مغادرتها وأنهم ضمنوا “شر” إيران لسنوات قادمة كما قال بعضُهم.. فهم بكل جدية لا يلتفتون إلا إلى مصالحهم المتطورة فقط.. فإن اقتضت استراتيجيتهم فسيخرجون من المنطقة حلفاء ويتصالحون مع أعداء ويضحون بتحالفات تاريخية.. ومن هنا جاءت التخوفات في المنطقة.
الموضوع قيد البحث هو من طراز السياسة العليا الذي يستدعي استحضار الدقة والتحليل العلمي بعيدا عن الأهواء والمواقف المسبقة.. وهنا لابد من إبداء الإشفاق على الكُتاب والساسة الذين لم يستوعبوا بعد أن المراحل يسلم بعضها إلى البعض الآخر متخليا عن سماته واشتراطاته فاسحا المجال لسمات واشتراطات جديدة.. وإن الشفقة تجري على كُتاب اختل توازنهم من غير وعي منهم ولا قصد فاصطفوا في خندق إسرائيل إزاء الاتفاق الإيراني الغربي.. لأنهم لم يروا المعاملات والتداخلات من موقع الإشراف الاسمى..
دول عربية أبدت قلقها ولكن عاد إليها الاطمئنان بعد أن قدم لها الأمريكان ضمانات أن الاتفاق يحرم إيران من النووي العسكري ويسمح بالإشراف والتفتيش على قوتها العسكرية. وهذا التطمين يخفي رؤية أمريكية غربية لتفتيت دول الخليج.. وللأسف لم يتم التوقف عند إعلان القلقين على اطمئنانهم، فلقد تحركوا على الأرض لتشكيل محور سني في المنطقة يضم إليه دولا محورية وقوى سياسية وتيارات دينية في مواجهة التمدد الإيراني. وهذه نقطة لم تكن غائبة عن المفاوض الأمريكي الغربي بل لعلها أحد أهدافه الحقيقية.
أما إسرائيل فلقد أحدث الاتفاق قلقا واضطرابا كبيرين على مستوى الطبقة السياسية كما أن المفكرين والإعلاميين دقوا ناقوس الخطر بأن الاتفاق يحمل معه مستقبلا مظلما لدولة إسرائيل.. ومع أن المؤسسة الصهيونية لم تتوقف منذ أكثر من عشر سنوات عن التحريض المستمر عالي الوتيرة للقيام بعمل عسكري ضد إيران، إلا أن المتابع للآلة الإعلامية الصهيونية هذه الأيام يستطيع التأكد من أن الأمر قد بلغ الذروة مع إحباط كبير لعدم استجابة الغرب للرغبة الإسرائيلية في شن حرب على إيران.
إسرائيل تراقب اللحظات القادمة بكل قلق وتوجس خوفا من دور إيراني يتمدد في المنطقة ليجد نفسه وجها لوجه مع الكيان الصهيوني. وحينذاك سيصبح من الضروري خروج أحدهما من المشهد السياسي.. والكيان الصهيوني يجد نفسه يتراجع على مستوى الفكرة والدور والجغرافيا كما أنه يتراجع على صعيد التأييد الدولي حيث الخوف يستبد بقادة الكيان من أن هناك احتمالاً بتقليل حجم الحاجة الغربية لإسرائيل.. في حين لا يغيب عن صناع السياسة في الكيان الصهيوني أن القوة الإيرانية المتصاعدة قد تمددت برغم الحصار الشديد عليها واجتازت الحدود القومية والطائفية في المنطقة. فكيف ستكون حال هذه القوة عندما يُرفع الحصار ويتم التعامل معها على اعتبار أنها شريكٌ دولي لا يمكن تجاوزه؟
في إيران، كانت الخزينة الإيرانية تعاني من وضع صعب وقاس في كثير من القطاعات على صعيد قطع الغيار والمستلزمات الضرورية.. هذا، وقد مثلت الجبهة السورية نزيفا إضافيا للخزينة الإيرانية.. وجاء الاتفاق ليحرر أموال إيران المحجوزة وليرفع العقوبات عن النفط الإيراني والتجارة معها في شتى المجالات، وليحقق لها مطلبها وهدفها في إنجاز ملفها النووي السلمي لتحقق وضعا استراتيجيا يضمن لها التعويض الضروري لما قد يحدث من نضوب لطاقة البترول.. وتكون إيران انتزعت اعترافا بطبيعة نظامها وبدورها في قضايا المنطقة. وهذا سيعود بالأثر الحاسم في مصير حلفائها في سوريا واليمن والعراق ولبنان إذا سارت الأمور كما ينبغي..
لكن بعيدا عن حسابات الدول العربية القلقة من الاتفاق الإيراني الغربي. وبعيدا عن خوف الكيان الصهيوني وتوجسه، وبعيدا عن حسابات الإيرانيين وتطلعاتهم، هناك رؤية أمريكية غربية للذي حدث انتهت بالاتفاق مع إيران على وثيقة مهمة كبيرة وخطيرة، ومن هنا لابد من الاقتراب من الكشف عن الرؤية الأمريكية الغربية لعلنا نفهم بالضبط الدوافع الغربية للخطوة الكبيرة التي اتخذت..
الرأي في الإدارة الأمريكية والغرب أن النفط سيكون فاقد الأهمية في المنطقة بعد عشرين سنة كما تفيد بذلك معظم التقديرات.. وستصبح المنطقة بلا أهمية اقتصادية استراتيجية، وسيكتفي بأن تكون منطقة في عين الاهتمام الجيوسياسي بحيث لا يسمح لها بالتوحد أو الوقوع بيد قوة عالمية نقيضة، وبناء على ذلك يرى الأمريكان والغربيون أن إسرائيل تكون فقدت كثيرا من الحاجة إليها.. وقد تجلّى ذلك في حرب الغرب على العراق حيث اضطرت القوات الأمريكية والغربية أن تنزل إلى شوارع بغداد والمدن العراقية وتدخل حربا مكلفة دفاعا عن مصالحهم في المنطقة، ولم يُسمح لإسرائيل بالمشاركة في تلك الحرب.. ورغم أن الوضع في العراق قد تمّ تشكيله على عين الأمريكان إلى حد كبير، إلا أنه لم يكن شرطا عليه أن يمد جسور الاعتراف والتطبيع مع إسرائيل.. وتنازلت الإدارات الغربية والأمريكية عن مطلبها الاستراتيجي المتمثل بضرورة الالتزام بأمن إسرائيل وتفوّقها.. وهاهي الإدارات الغربية تقدم على حدث تاريخي مع إيران ولم تضمّنه موضوع إسرائيل بأي شكل.. وتجري المفاوضات رغما عن أنف إسرائيل التي لم يستطع مندوبها تناول كلمة في مجلس الأمن إبان مناقشة قرار بترسيم الاتفاقية.. لقد ذهب الغرب بقيادة أمريكا إلى التفاوض مع إيران بعد أن فشلت أساليبهم كلها في إحباط الثورة الإيرانية وأصبح من المؤكد للغربيين ضرورة التوصل إلى تفاهمات عميقة مع دولة مسؤولة؛ دولة مؤسسات قوية لديها مشروع وتتحرك باستراتيجية.
وهنا يصبح أمام الأمريكان والغربيين ضرورة وضع ضمانات عدم نجاح إيران وعدم استقرار المنطقة، فكان لابد من زرع بؤر التوتر الدائم الكافي للتصارع المستمر طائفيا وقوميا.. وهم يكونون قد رأوا أن الاتفاق مع إيران يمكن أن يولد لوبيات اقتصادية جديدة يكون لها أثر كبير في تعديل وجهة الأولويات الإيرانية.. تلك أمانيهم.. وللرد على هذا جاء موقف قائد الثورة آية الله الخامنئي وقادة الحرس الثوري والقيادات الإيرانية العديدة عقب الاتفاقية بأن المواجهة لا تزال مستمرة ضد السياسات الأمريكية الاستعمارية في المنطقة الإسلامية وفي العالم.
أمريكا لم تغيّر طبيعتها العدوانية، هي فقط تعتقد نجاعة الفتن والتصارعات الذاتية.. لذا فإن النصر الإيراني المظفر في المفاوضات توّج صمود عشرات السنين، وهو ينبغي أن يكون خيرا وعزة للمنطقة ومقرِّبا إلى القدس.. تولانا الله برحمته.