أمّهات يصرخن: لسنا وحدنا المسؤولات عن انحراف أبنائنا
عندما شبه حافظ إبراهيم الأم بالمدرسة التي تعد شعبا طيب الأعراق، إذا ما تم إعداها وتربيتها تربية سليمة، لم يكن مطلقا يقصد في حصر دور التربية على الأم، فالواجب في تربية الأبناء في ذمة الأم وذمة الأب سيان، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله { وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } الإسراء 24.غير أن الشائع في مجتمعنا، فغالبا ما تُلقى مسؤولية التربية الأكبر على عاتق الأم، فيما يكتفي الأب بحمل شارة القيادة إسميا، وربّ العائلة وهميا، بحكم أن القيادة والسيادة تستلزم بالضرورة دورا محوريا في التربية والتوجيه، وليس بتوفير الطعام والملبس والحاجيات الملموسة فحسب، وهو ما جعل الكثير من الزوجات يخرجن عن صمتهن ويصرخن ضد أزواج أثرهم شبه منعدم في حياة أبنائهم. أو حضورا سلبيا يعتمد على العنف والقهر.
يختزلون دورهم في توفير لقمة العيش!
ويعتقد بعض الآباء إن كدهم وسعيهم من أجل توفير لقمة العيش لأبنائهم وكل الحاجيات المادية الأخرى وحدها مسؤولية عظيمة تشفع لهم في إهمال دورهم المعنوي والمتمثل في التربية، والإشباع العاطفي.
السيد ” عبد الله ” وهو عامل في مطعم، واحد من بين هؤلاء الذين يختزلون دورهم في توفير الحاجيات المادية فحسب، فعندما وصله استدعاء من المتوسطة التي يدرس فيها ابنه؛ لم يكن يعلم أن هذا الأخير قد وصلت درجة انحرافه وتمرده إلى التعدي بالصفع على أستاذته، تقول زوجته راضية – هي ربة بيت -: ” بمجرد أن عاد من المتوسطة انهال عليّ بوابل من الشتائم محملا إياي مسؤولية انحرافه، وقال أن طريقة تدليلي له منذ الصغر هي من أفضت به إلى حال التمرد وتضيف ” زوجي لا يلتقي بأبنائه سوى في نهاية الأسبوع، وعندما يبقى في البيت لا يتحملهم ولو ساعة واحدة، ولا يعرف سبيلا للتعامل مع أخطائهم غير الضرب والرشق بالأشياء والشتائم ” وتضيف: ” أنا أرفض أسلوبه هذا في التعامل معهم، وأدعوه إلى تربيتهم بأسلوب ألين، وتحمل كثرة حركاتهم في صغرهم لكنه لا يقيم لكلامي أي اعتبار، وهذا ما جعل ابني يكبر حساسا بشكل غير طبيعي وعدوانيا أيضا ”
من جهته عبد الله له ما يرد به على زوجته، فهو يرى أن مسؤوليته في الجري وراء لقمة العيش وتوفير حاجيات أبنائه في مأكلهم وملبسهم وعلاجهم ودراستهم تأخذ منه كل وقته ويعبر عن ذلك بسخط: ” أخرج إلى عملي في الصباح الباكر ولا أعود قبل الساعة العاشرة ليلا، أصل منهكا بالكاد أصلي صلاتي، وأجلس مع عائلتي قليلا قبل أخلد إلى النوم، فمن أين لي أن أعلم بكل تصرفاتهم في غيابي؟ هي مسؤوليتها – يقصد زوجته – هي من تبقى معهم طوال اليوم ويتوجب عليها مراقبتهم وتربيتهم. “
تربية أمّها
وتصبح التهمة الموجهة إلى الأم بوزنين عندما يتعلق الأمر بأخطاء البنت، على اعتبار أن هذه الأخيرة ليست سوى نسخة من أمها، حيث تنبثق من عمق ثقافة شعبية تلحق الفتاة بوالدتها أخلاقيا بلا مبررات موضوعية تذكر، وتتعدد الأمثال الشعبية والمقولات في هذا الشأن أشهرها المثل القائل ” أقلب الجرة على فمها البنت تطلع لأمها ” وهي ثقافة جعلت قفص التهمة محابيا ينفلت منه الآباء، فيما تبقى الأمهات مقيدات فيه بأحكام المجتمع.
وفي سبر لآراء بعض النساء حول الموضوع، أجمعن على أن المقولات الشعبية والنظرة السائدة ليست دائما صائبة، وأن الأم لا تتحمل وحدها وزر سوء أخلاق ابنتها.
وتقول إحدى السيدات: ” أنجبت أربع بنات الثلاث الكبريات كل الناس تشهد بحسن أخلاقهن وتفوقهن في الدراسة إلا الصغرى خرجت “عشور” ( بمعنى أنها منفلتة سيئة الأخلاق على نقيض أخواتها ) وتتساءل السيدة عن سبب تحميلها مسؤولية سوء أخلاق ابنتها فتقول: ” لماذا لم يقولوا عن بناتي الثلاث الخلوقات المتفوقات في دراستهن أنهن تربية أمّهن، لكن عندما انحرفت ابنتي الصغرى قالوا تربية أمها؟ “
وتشاطرها سيدة أخرى ( مديرة مدرسة ابتدائية ) في نفس الفكرة فتقول:
“ نحن نربي والمخالطات تفسد ماذا عسانا نفعل ؟ ابنتي كانت قمة في الأخلاق. حرصت على تربيتها أحسن تربية لكنّها انحرفت بمجرد أن بلغت سن المراهقة، وأصبحت تصلني أخبار محبطة عنها من طرف أستاذاتها، ومن بعض الأقارب يرونها تخطئ بعيدا عن أنظاري ”
وتردف السيدة قائلة: ” والدها مقاول، ولا وجود له في حياتنا تقريبا منذ أن تزوجت به وهو مشغول دائما، أعلم لو أخبرته لن تكون ردة فعله سوى الضرب والتعنيف ” ثم تردف ” هل الضرب هو الحل ؟ هذا الجيل المتمرد عندما يضع في باله شيئا ويصمم عليه يفعله حتى لو مزقنا لحمه إربا “
منظومة متكاملة
ويرى الدكتور ” سعيد صيّاح ” – مختص في علم الاجتماع التربوي- أن قضية التربية والأخلاق أوسع حيزا مما يراها معظم الناس، لأن المنظومة الأخلاقية متكاملة، يقول: ” ليست الأم وليس الأب وحدهما من يتحملان مسؤولية التربية، فالتربية “بذرة الوالدين وشجرة المجتمع “، ويضيف الدكتور: ” صحيح أن الدور الأهم والأثقل، واللبنة الأخلاقية الأولى التي تتأسس عليها شخصية الأبناء تكون من الوالدين، لكن هؤلاء الأبناء حياتهم ليست محصورة فقط في البيت فهم يخرجون إلى الشارع والمدرسة ومنازل أقاربهم، إذن فالجميع مسؤول عن التربية الوالدين، الجار، المعلم، القريب والبعيد، وهي في الحقيقة سلسلة متكاملة إذا فقدت أي حلقة منها سيختل التوازن الأخلاقي، طبعا بنسب متفاوتة حسب أهمية وقرب المربّي من الطفل.”
ويعزز الأستاذ رأيه بقوله: ” في الماضي عندما كانت الحياة الاجتماعية خاضعة لمنظومة قيم أخلاقية مهابة ومقدّسة لدى الجميع، كانت مسؤولية التربية لا تخص الوالدين فحسب، فالجدّ يربي والعم يربي وكذلك الجار، والمعلم وإمام الجامع والقريب والغريب، لذلك كان هناك من نشؤوا يتامى بلا والدين مع ذلك كانت أخلاقهم جيدة، أما اليوم فدور التربية انحسر بشكل ملحوظ واقتصر فقط في دور الوالدين، وربما يغيب دورهما أحهما أو كليهما. “
لقمة العيش ليست مبررا!
ويتوجه الدكتور بكلامه إلى الآباء الذين اختزلوا مسؤولياتهم في توفير الماديات فقط فيقول: ” أيا كان حجم المسؤولية المتعلقة بتوفير الحاجيات المادية، وطبيعة مهنة الوالد فهي لا تمنع من التفاته لأبنائه وآداء واجب تربيتهم ومحاورتهم، والاطلاع على شؤونهم وانشغالاتهم، فدور الأم وحدها لا يكفي في عصرنا ومهما كانت أمّا واعية وقويّة فهي لا تنجح دائما في لعب الدورين حال غياب الأب، لذلك فحضور الأب المعنوي ضروري جدا في تربية الأبناء، وتنشئتهم تنشئة سويّة قويمة، خصوصا في سن المراهقة، وحضوره طبعا يضيف الدكتور يكون: ” بعيدا عن الضرب والشتائم والكلام الجارح، بل باللين والصبر والحب والرحمة واعتماد أسلوب الحوار عندما يبلغون سن الاستيعاب.”