أهذه أعمالنا التي تُعرض على الله في شعبان (2)؟!
واقع كثير منّا، حتّى بعض من يصلّون الصلوات الخمس في المساجد، يدلّ على أنّنا ما عدنا نهتمّ بإتقان الأعمال التي نقيم بها ديننا ونصلح بها دنيانا ولا نكترث بقبولها! أعمالنا -إلا من رحم الله منّا- منقوصة ومشوبة بالرياء. المهمّ بالنّسبة إلينا أن نسجّل الحضور فيرانا الآخرون، وننهي العمل في أقصر وقت ممكن، لنتفرّغ لمُحرقات الأوقات والأعمار!
نقرأ ونسمع في كتاب ربّنا قوله –سبحانه-: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))، ونحفظ قول نبيّ الهدى –صلّى الله عليه وسلّم-: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَه”؛ ومع ذلك فأعمالنا التي يفترض أن نبني بها دنيانا، والتي نأخذ لقاءها رواتبنا ونجني منها أرباحنا، تخرج منقوصة مغشوشة، لأنّنا ضمنّا –أو كدنا نضمن- أنْ لا أحد سيحاسبنا عنها؛ فالمسؤول أيضا لا يتقن عمله، ومن يحاسبه لا تختلف حاله عن الحال! وننسى أنّ الله العليم الخبير سيحاسبنا على تلك الأعمال حسابا دقيقا، فيجزينا بها همًّا يملأ القلب ومصائب تنزل بالمال والأهل والولد، وبركة تنزع من الوقت والعمر.
تجد صاحب الحرفة؛ سواء كان بنّاءً أو سبّاكا أو لحّاما أو ميكانيكيا أو كهربائيا، يسابق الوقت لينهي عمله في أقصر وقت، ليأخذ أجرته كاملة غير منقوصة، المهمّ بالنّسبة إليه أن يبدو العمل في ظاهره تامّا ولا يهمّه ما يكون عليه الأمر بعد ذلك؛ فليس هناك ضمان ولا مراقب ولا محاسب؛ فقد يصلح الميكانيكيّ عطبا في السيارة ليسبّب عطبا أكبر، وقد يتمّ البنّاء عمله ظاهرا لتظهر العيوب بعد أيام أو أسابيع قليلة، وقد يتمّ المقاول أشغال العمارة أو الطّريق أو الرصيف، فلا تمرّ سوى أشهر معدودة حتى يظهر العمل على حقيقته ويطفو على السّطح ما كان مستورا! فهل ننسى أنّ مثل هذه الأعمال يراها الله ويطّلع على نيات أصحابها، ويعلم ما تخفيه صدورهم من الغشّ والغدر والخديعة، وتعرض على الله فيكتب سخطه على أصحابها، ويأذن بعقوبتهم في الدّنيا قبل الآخرة؟
إنّنا ونحن نعيش أيام شهر شعبان، في أمسّ الحاجة لأن نعيد النّظر في أعمالنا، ونزنها قبل أن توزن لنا وتعرض على مولانا، ولأن يكون قبولها عند الله أعظم همّ نحمله.. إنّ الخسارة منتهى الخسارة أن يقضي العبد 70 أو 80 سنة في هذه الدنيا يظنّ بنفسه خيرا ويحشر نفسه في عداد الصّالحين، بينما أعماله في الملأ الأعلى عند الله ترفض، والله لا يعبأ بها، ويوم القيامة يجد أنّ أعماله التي كان يعوّل عليها قد صارت هباءً منثورا، ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)). لأنّه لم يخلص تلك الأعمال لوجه الله؛ كان يجوّدها ويتقنها إذا استشعر نظر النّاس إليه، ويهملها ويسرع فيها إذا لم يكن يطّلع عليه أحد.
لنتق الله في صلاتنا، ولنصلّها بتؤدة وطمأنينة وأناة، لنصلّها لا لأنّها فقط فرض واجب ولكن لأنّها أحبّ الأعمال إلى الله. لنصلّها لأجل أن ننعم ونسعد بها وليس لأجل أن نتخلّص منها. إذا لم تكن الصّلاة قرّة لعيوننا وأنسا لأرواحنا، فربّما لن تنفعنا في الدّنيا ولا في الآخرة.. لنتّق الله في كتاب ربّنا، ولنقرأه بتدبّر وخشوع، ونحن نطلب هدايته وبركته وأجر تلاوته، ونجاهد أنفسنا على أن نعمل بكلّ آية قرأناها منه وفهمناها. لنقرأه ونحن نتمنّى أن يكون نورا لصدورنا، ولقبورنا، نورا لنا على الصّراط، ونورا لنا يوم الحشر، ورفعة لدرجاتنا في الجنّة.. لنتّق الله في الصّدقات التي نخرجها؛ لتكن خالصة لوجه الله لا نريد عليها جزاءً ولا مدحا من النّاس، إنّما نرجو أجرها وثوابها وبركتها من الله، نرجو أن تكون لنا نورا في قبورنا وعلى الصّراط، وسببا لدخولنا الجنّة من باب المنفقين.. لنتّق الله في أعمالنا وأشغالنا، ولنعطها وقتها الذي تستحقّ، ولنجتهد في إتقانها، وليستحضر الواحد منّا أنّه إن لم يطّلع عليه أحد من النّاس وضَمن ألا يحاسبه أحد من النّاس، فكفى بالله رقيبا، وكفى به حسيبا.. حرام وعيب أن تخرج الأعمال من أيدي الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مجوّدة متقنة، وتخرج من أيدينا نحن المؤمنين بالله واليوم الآخر ناقصة مشوّهة.. إنّنا نسيء إلى ديننا ونصدّ عنه، ونحصد لأنفسنا الأوزار والهموم والضّنك.. إنّ عملا واحدا يغشّ فيه العبد، لهو كفيل بأن يحوّل حياته إلى ضنك وهمّ وغمّ ويوقد عليه جهنّم يوم القيامة.. هذا رجل حضر مع الصّحابة إحدى الغزوات، وفي نهاية الغزوة أخذ الرّجل ثوبا من الغنائم قبل أن تقسم، وما هي إلا هنيهة حتى جاءه سهم فأصابه فخرّ ميتا، فقال النّاس هنيئا له الشّهادة، فقال النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “كَلّا والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، إنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عليه نارًا أخَذَها مِنَ الغَنائِمِ يَومَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْها المَقاسِم”. ففزع النّاس، فجاء رجل بشراك، أو شراكين فقال: يا رسول الله، أصبتُ يوم خيبر، فقال رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلَّم-: “شِراكٌ مِن نارٍ، أوْ شِراكانِ مِن نارٍ”.. هذا في الذي يأخذ شسعا، كيف بمن يغش في عمله ويخدع؟ كيف بمن ينتهب حقوق النّاس وأموالهم؟ كيف بمن يأكل الرشوة ويسمّيها “قهوة”؟
إذا عمل أحدنا عملا، فليَفترض أنّ نتيجته ستكون له وأنّه سيكون المستفيد منه، وما لا يرضاه لنفسه فلا يرضه للنّاس، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ”
(سنن النسائي)