-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أهمية الوعي الجيواستراتيجي لدولةٍ وسطى

أهمية الوعي الجيواستراتيجي لدولةٍ وسطى

تَزداد المخاطر على مختلف دول العالم يوما بعد يوم، لا تُستثني من ذلك الصغرى والوسطى والكبرى. كلٌّ له همومه وانشغالاته ومشكلاته. دولٌ كبرى يضغط بعضُها على بعض بمختلف الوسائل، ودول صغرى تسعى للبقاء، وأخرى تقاوم بكل ما لديها من إمكانات من أجل أن تجد لها مكانة بين الأمم. ونحن جزءٌ من هذه الأخيرة، وبعض البلدان الإفريقية الضعيفة جزءٌ من المقاومين من أجل البقاء، أما الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين ومجموعة الاتحاد الأوروبي وروسيا، فتخوض حروبا ساخنة وأخرى باردة على مختلف الجبهات، قد تصل إلى حد استخدام السلاح النووي ذات يوم. أمام هذا الوضع تُصبح إمكانية خروجنا سالمين من هذا المُنعَرج الحاسم في تاريخ البشرية في حاجة إلى كثير من الجهد والتبصُّر والحكمة، والوعي قبل ذلك. ليس من السهل الحصول على مكانة في هذا العالم الذي يفترس بعضُه بعضَه الآخر.

تصوروا معي دولة كبرى مثل الصين وتتعرض للاستفزاز داخل أراضيها من قبل دول كبرى مماثلة بإرسال مساعدات عسكرية ووفود لأحد أقاليمها (تايوان)، وتمتنع عن الرد المباشر العسكري على ذلك، لأنها تعرف ما يُخطّط لها إن هي انخرطت فيه.. وتصوروا معي دولة مثل مالي تسعى إلى أن ترمم جراحها وتصون وحدتها، تتعرض لكل المخططات الدنيئة لقوة نووية مثل فرنسا الأقوى اقتصاديا وعسكريا مئات المرات، وتصمد إلى حد الآن.. وقس على ذلك دولة وسطى مثل إيران، ها هي عقودٌ من الزمن تمرّ وهي تقاوم الحصار بعد الحصار والعقوبات بعد العقوبات وتخشى الأسوأ إن هي غفلت للحظةٍ عن أمنها القومي، بدون الحديث عن روسيا التي تم دفعُها دفعا إلى القيام بعمليات عسكرية في أوكرانيا لاستباق عملية تهديد وشيك على أمنها القومي. وليست الدول الغربية التي باتت تعتمد ما يُسمِّيه خبراء العلاقات الدولية بـ”الواقعية الهجومية” بمنأى عن انعكاسات هذا المنطق السائد اليوم في العالم. إنها هي الأخرى تعرف تهديدات من نوع آخر تتعلق باحتمالية نفاد مصادر الطاقة وصعوبة الحصول على المواد الخام في عالم بدأت التحالفات تتغيّر فيه وأصبح كلٌّ يسعى إلى الدفاع عن مصالحه بكل الطرق، لا نكاد نميز فيه بين الصديق والعدو.

في ظل هذا الوضع بات علينا أن نُدرك كدولة وسطى بمعنى الكلمة، جغرافيًّا وجيواستراتيجيّا واقتصاديّا وبشريّا، ما الذي علينا عمله وكيف ينبغي أن نتصرف.

ولعل أول خطوة نقوم بها في هذا المجال هي أن نعي بعمق طبيعة الإشكالات الدولية الحاصلة اليوم، وأن لا يقتصر هذا الوعي على القيادات السياسية أو الرسمية، إنما أن يصل إلى العمق الشعبي؛ أي أن نُدرِك جميعا مَن نكون، وما هو وضعُنا، وكيف علينا أن نتصرف، وأن نرفع من درجة الوعي الشعبي والرسمي بالأفق الاستراتيجي لدينا، وأن يكون هو الأساس الذي تُبنى عليه باقي السياسات المختلفة.

ولعلنا نعيش إرهاصات هذا التحول بالفعل كضرورة وليس كخيار بعد أن أصبح مجال التهديدات التي نواجهها واسعا، ويتراوح بين الاستفزازات الخارجية إلى الحرائق المفتعلة في غاباتنا، إلى محاولة زعزعة وحدة الرأي العام الداخلي بشأن مدى نجاعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمَدة من قبل الدولة والتشكيك في كل ما صدر عنها.

لذلك يُصبح لزاما علينا اليوم، أن نرفع إلى الدرجة العليا ما يُمكن تسميته بـ”الوعي الجيواستراتيجي” لدولة وسطى كدولتنا، وأن نضع كل قرار داخلي أو خارجي لحكومتنا ضمن هذا السياق العالمي المتقلب، واضعين بعين الاعتبار أن مجال هذا الوعي ينبغي ألا يغفل لحظة عن فهم ما يتعرَّض له السِّلم العالمي لترتيب الدول من مخاطر وتهديدات.. من أكبر الدول إلى أصغرها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!