أولياء يتحملون دور المدرسة بتحضير الدروس وحل المسائل رفقة أبنائهم
يشتكي أولياء التلاميذ اليوم من الظروف التي يتمدرس فيها أبناؤهم، من برنامج دراسي يرونه غير مناسب، ونظام التفويج الذي أخلط حساباتهم وتاه فيه أغلب المتمدرسين، وحقائب ضخمة ثقيلة وكتب تباع بـ”المعريفة” والطابور.. وفوق كل هذا، يطالَب الأولياء بتدريس أبنائهم الأساسيات في المنزل. واقع أصبح يثير ضجة في المجتمع الجزائري.
الجزائريون بين القيام بوظيفة المعلم والركض خلف “الخبزة”
عمر 52 سنة، ولي لأربعة تلاميذ، ثلاثة منهم في الطور الابتدائي، التقيناه في مكتبة قريبة من مدرسة أبنائه بالبليدة، يقول: “نجري وراء الخبزة وحقوق التعليم، أم نجلس في المنزل لتدريسهم؟!.. ” زوجة عمر، عاملة أيضا، ينتهي دوامها على الساعة السادسة مساء، وهي مطالبة بتحضير الدروس مع صغارها، وحل التمارين إلى جانب مسؤولياتها الكثيرة الأخرى، كرعاية والدته المريضة.. يضيف زوجها متذمرا ساخطا على سياسة التعليم الجديدة: “إذا كان علينا أن نحضّر دروسهم ونحل واجباتهم، فلِم نذهب بهم إلى المدرسة وننفق على تعليمهم كل هذا، فلنتركهم إذن في المنزل ونتوقف عن العمل لأجل تعليمهم ونرتاح جميعا، أي منطق تسير به مدارسنا، ألا يعرف الأستاذ وصاحب المقرر أن أغلب الأولياء لا يملكون الوقت حتى لمداعبة صغارهم أو مقاسمتهم الطعام، فكيف يجبروننا على تدريسهم في البيت؟..”
أولياء يدرسون في الوقت بدل الضائع
يتحملون رسوب أبنائهم نتيجة إهمال التحضير والمراجعة في البيت تنوه المفتشة التربوية، السيدة ديب سليمة، إلى أن “التوقيت المستجد الذي يفرض نظام التفويج بسبب كورونا، الذي يقضي بتقليص ساعات التعليم في المدرسة، دفع بالتربويين إلى مطالبة التلاميذ بالتحضير في المنزل بمساعدة الأولياء حتى يكونوا على اطلاع أو إلمام بالموضوع، ويتمكنوا من الاستيعاب بسرعة والتقاط أكبر قدر من المعلومات، والحصول على أجوبة لتساؤلات مسبقة”. وتضيف الأستاذة، بخصوص ما إن كان هذا الأسلوب سليما وأدى إلى نتائج إيجابية: “قد لا يعتبر الأنسب، لكنه الخيار المتاح الذي يتماشى والرزنامة الجديدة، لكن لا
يجب أن ننكر أن إلقاء مهمة تدريس جزء كبير من المقرر على عاتق الأولياء جعل بعض المتفوقين يتراجعون، بينما زاد مستوى الكثير سوءا، فيما قفز تلاميذ من ذيل القائمة إلى ممتازين، وهذا كله راجع إلى المتابعة المنزلية ومدى اهتمام وتفرغ الأولياء..”
المدرسة الجزائرية تستقيل من أدوارها الثانوية
تتساءل السيدة نادية، أخصائية نفسانية، ما فائدة أن تقوم هي بمساعدة صغيرها في السنة الثانية ابتدائي لصناعة ساعة حائط من الورق المقوى، أو أن تغرس له بذرة وترعاها، بينما هو في المدرسة، تقول: “أليس الهدف من الأشغال اليدوية هو تنمية مهارات الطفل بالمنافسة مع أقرانه وتنمية حواسه بالمقارنة والملاحظة؟ من غير الطبيعي أن يطلب منا نحن الأولياء المساعدة على ذلك ثم يتم التقييم على أساس خاطئ، هذا قد يدمر مستوى أطفالنا بدل أن يبنيه.. يجب إعادة النظر في ما يحصل”.
تجار الدروس الخصوصية يستثمرون في الوضع
من البديهي ألا ينال نظام التدريس الجديد تهليل جميع الأولياء، فالبعض مشغول بالعمل يطمع أن تقدم المدارس أقل تعليم لأبنائه، والبعض غائب لظروف، وآخر لا تسمح مؤهلاته المعرفية بمساعدة أطفاله. هي حال زهرة، مستوى خامسة ابتدائي، “.. لا أفقه شيئا في الرياضيات والفيزياء ولا في كل ما يدرسه ابني في الأولى متوسط، حتى والده غائب طيلة الوقت للعمل، لذا، توجب علي تسجيله في صفوف الدروس الخصوصية، حتى يتمكن من تلقي الشرح المفصل لما يقدم له في المتوسطة، وإلا ضاع مستقبله، فالأساتذة يطلبون تحضير الدروس وإيجاد حلول للمسائل وأنا لا يمكنني المساعدة إلا بتسديد المبالغ التي يطلبها معلمو الدروس الخصوصية الجشعون، الذين يستغلون الوضع لتحقيق الربح”. السيئ في الأمر، أن الأساتذة أنفسهم، الذين يدّعون ضيق الوقت لتقديم البرنامج كاملا ويحملون أولياء مسؤولية تراجع أبنائهم، هم أنفسهم من يقدمون الدعم في منازلهم أو في مدارس خاصة، مقابل ما لا يقل عن 2000 دينار قابلة للارتفاع.