أولياء يستعينون بـ “الشحيحة” لمواجهة فوضى الإنفاق
لطالما شكلت كثير من سلوكات أجدادنا، عادات إيجابية ومفيدة في الأسرة، وهو ما جعلها باقية رغم التطور الحاصل في المجتمعات، ومنها عادة جمع وتوفير المال في حصالة أو “شحيحة”، التي عادت للظهور داخل العائلات في ظل غلاء المعيشة، ومحاولة الآباء ترسيخ سلوكات إيجابية في عقول أطفالهم بعيدا عن فوضى الإنفاق والإدمان على الأجهزة الإلكترونية.
رجعت عادة توفير الأموال في “الشحيحة” إلى العائلات الجزائرية مؤخرا، بعدما غابت لسنوات في ظل إقبال الأفراد على فتح حسابات بنكية وما توفره من امتيازات للمتعاملين، ولكن غلاء المعيشة وانشغال الناس في عصر السرعة، جعل كثيرا من ربات البيوت يفضلن شراء “الشحيحة”، التي باتت تُعرض بأشكال وألوان مختلفة مؤخرا في المحلات، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أو صناعة واحدة من علب الطماطم الفارغة وغيرها.. لدرجة سمعنا عن نساء جمعن أكثر من 10 ملايين سنتيم بفضل “شحيحة”.
تحفيزات مالية للأطفال لتغيير سلوكيات سلبية
“كريمة. س”، معلمة عزباء، أخبرتنا بأنها حاولت لسنوات جميع مبلغ من المال لشراء قطعة ذهبية، وكانت تجمع أموالها في حساب بنكي فتحته، ولكن بحسب قولها، “تواجد الوكالة البنكية في مكان بعيد عن مقر سكناها، وعدم توفر الوقت لدي، جعلني أفكر في جمع مالي في شحيحة صعبة الفتح، وهو ما فعلته وتمكنت في ظرف سنتين من جمع 8 ملايين سنتيم، اشتريت بها عقدا ذهبيا”.
وعائلات علمت أطفالها سلوك توفير المال في شحيحة، وعدم تبذيره في شراء سكاكر وحلويات ضارة، ومنهم والد لطفلين من ولاية البليدة، أخبرنا بأنه علم ولديه سلوكا نافعا، بحيث يكافئ كل طفل يقوم صباحا وحفاظته غير مبللة، بقطعة نقدية، يضعها الطفل بيده في “شحيحة”، وهكذا يتعلم الطفل منذ صغره، بحسب قول محدثنا، قيمة الأموال وطريقة توفيرها.
ويؤكد الوالد أن العملية كانت مفيدة جدا، وضربت عصفورين بحجر، وهما تعليم الأطفال سلوك توفير المال إضافة إلى نزعهما الحفاظات في سن مبكرة.
ويؤكد بعض الأولياء أنهم كثيرا ما لجؤوا اضطرارا إلى أخذ المال خلسة أو علنا من حصالات أطفالهم، بسبب أزمات مالية مفاجئة..!
الكشافة.. تعلم مُنخرطيها طرق توفير المال
وتعتبر الكشافة الإسلامية من المنظمات التي تغرس ثقافة جمع وتوفير المال ومحاربة تبذيره في صفوف الأطفال المنخرطين فيها، وغالبية الملتحقين بها يملكون حصالات في منازلهم.
ولكن عملية توفير المال داخل المنازل، قد يجعلنا نسحبه في أي وقت، ولذلك لابد من أن تكون الحصالة التي نجمع المال داخلها، من النوع الذي لا يمكن فتحه إلا بالتكسير، مثل الحصالات الفخارية. علاوة عن ضرورة امتلاك إرادة وعزيمة لوضع جدول معين، حول كيفية توفير المال والمدة الزمنية اللازمة لجمع مبلغ معين لقضاء مصلحة أو شراء غرض.
على الأولياء أن يكونوا قدوة في الادخار
وفي الموضوع، يُؤكد المختص في علم النفس التربوي، حسام زرمان، لـ “الشروق”، أن على الأولياء تعليم أطفالهم، مبكرًا، طرق ادخار المال مع تجنب الإنفاق العشوائي، لإكسابهم عادات مالية صحيحة، تساعدهم مستقبلا.
ومن أهم الطرق لذلك، بحسب المختص، التحدث مع الطفل حول أهمية الادخار، وأن يكون الوالدان قدوة له في ذلك، من خلال إشراك الطفل في النقاشات حول توفير المال للذهاب في عطلة أو شراء غرض معين، لتعليمهم أن الرفاهية والتمتع ليست مجانية.
وأيضا، لابد من تعليم الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 2 إلى 4 سنوات، تحديد العملات المعدنية وقيمتها، لأنهم بمجرد تعرّفهم على قيمة القطعة النقدية، نعلمهم طريقة ادخارها في الحصالة.
ويشدّد حسام زرمان، على ضرورة “امتلاك الأطفال ثقافة حول مفهوم المال انطلاقا من سن الرابعة من عمرهم، وذلك لتزويدهم بوعي مالي يساعدهم على التخطيط الفعّال واتخاذ قرارات مالية أفضل عندما يكبرون”، علاوة عن تحديد مصروف مالي منتظم للطفل، مهما كان مبلغا صغيرا، يتعلم من خلاله سلوك الادخار لشراء لعبة أو أي شيء يريده، وتذكيره دوما بأن إنفاقه المال من دون ادخار سيؤخر حصوله على اللعبة التي يريدها. بمعنى “نعلمه تأجيل رغبات آنية في سبيل تحقيق أهداف أكبر لاحقاً”، على حدّ قول مُحدّثنا، الذي يرى ضرورة تخصيص حصّالة للادخار أمام الأطفال أو اصطحابهم إلى البنك، لتعريفهم على خصائص حساب الادخار.
ولترغيب الأطفال في الادخار، يضيف المتحدث، يجب مكافأتهم وتشجيعهم، عند نجاحهم في توفير مبلغ معين، بحيث يمكن للوالد مضاعفة المبلغ الذي ادّخره ابنه كمكافأة له.
زيادة على تعليم الطفل كتابة قائمة “الأمنيات وأسعارها”، وهي عبارة عن عملية تدوين الطفل لقائمة أشياء يرغب في شرائها بحسب أهميتها عنده، ويقوم الوالد بتحديد سعر كل غرض، والمدة الزمنية التي يحتاجها لتوفير مبلغ كل شيء.