-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يغذيها الخوف من هواجس حقيقية وأخرى وهمية

أولياء “يعذبون” أنفسهم بالمتابعة اللصيقة لأبنائهم المتمدرسين

سمير مخربش
  • 1012
  • 0
أولياء “يعذبون” أنفسهم بالمتابعة اللصيقة لأبنائهم المتمدرسين
أرشيف

سجل الأولياء حضورا ملحوظا أمام المؤسسات التربوية لمرافقة أبنائهم، في مشهد يجمع بين الحرص والخوف، وأحيانا الدموع على فراق مؤقت وبُعد مفتوح على عدة عواقب.
أم تمسك بيد ابنها أو ابنتها متجهة نحو المدرسة هي الصورة النمطية التي استنسخت ووزعت على كافة المؤسسات التربوية عبر الوطن. فالالتحاق بالدراسة هو على العموم إجراء طبيعي ومتوارث، لكن عند البعض يعد هاجس يتطلب حرصا مبالغا فيه. فتجد الأمهات مثل الآباء في صفوف مكتظة أمام المدارس يطاردون أثر أبنائهم بالأعين والأفئدة وكأنما يساقون إلى المجهول.
وفي مشهد تابعناه بالقرب من المدرسة بمدينة سطيف، هناك أمهات دخلن في موجة بكاء جماعي لفراق أبنائهن، وتقول إحداهن: “ابنتي تلتحق بالمدرسة لأول مرة، ولم أتحمل فراقها ومغادرتها المنزل وبقائها بعيدة عني ولو لسويعات، فهي تلازمني على مدار الساعة، وبالتحاقها بالمدرسة أخشى عليها من السقوط إذا ركضت، أو من سوء معاملة من معلمتها أو من زملائها فهي طفلة خجولة وكتومة ولا تدافع على نفسها”.
هذا التصور يتبناه العديد من الأولياء، ولذلك هم يحرصون على متابعة أبنائهم منذ استيقاظهم ومغادرتهم الفراش، فتجدهم يتابعون كل كبيرة وصغيرة ويحرصون على إعدادهم للدراسة وتوفير كل اللوازم بما فيها اللمجة، ثم يرافقونهم الى المؤسسة التربوية، وأفئدتهم معلقة بحركاتهم في الطريق وعند دخول المدرسة، ثم تجد نفس الأولياء في الموعد عند خروج التلاميذ. فهم يغدون ويروحون عبر خط البيت والمدرسة، ويعضون على أبنائهم بالنواجذ في رحلة تتكرر في اليوم أكثر من مرة. والحيرة تزداد عندما يتعلق الأمر بتلاميذ السنة الأولى ابتدائي الذين يلتحقون بالمدرسة لأول مرة، خاصة الذين يرفضون الالتحاق بالدراسة ويدخلون في موجة بكاء وصراع وشجار مع أوليائهم الذين يجبرونهم على دخول المؤسسة.
التحاق التلميذ بالمدرسة أضحى مهمة شاقة لكلا الوالدين ومتعبة بدنيا ونفسيا، ويتطلب مرافقة لصيقة تتكرر أربع مرات في اليوم، وأي خلل عند خروج التلميذ أو التأخر عن الموعد يعني حالة طوارئ تزعزع العائلة بكاملها.
هذه الظاهرة لها عواملها النفسية، حيث يقول عبد العزيز بن صغير، المختص في علم النفس التربوي بجامعة لمين دباغين بسطيف، أن هذا الخوف سببه التعلق المبالغ فيه بين الأم وابنها أو ابنتها، والذي نشأ منذ الولادة، حيث تحرص الأم على العناية بمولودها ومرافقته طيلة السنوات الأولى، فتحرص على أكله ولباسه وتلبية كل حاجياته، لكن العاطفة الزائدة تكون وراء نشأة طفل مدلل لا يمكنه أن يقوم بأي عمل إلا بالاعتماد على والديه وعلى الأم بصفة خاصة، وهي ميزة يقول محدثنا ترافق الطفل حتى سن المراهقة، وبالتالي يبقى التعلق من الطرفين ولذلك نجد الأم ترفض البعد عن ابنها حتى وان كان الأمر يتعلق بالذهاب إلى المدرسة، كما ينتاب الأم شيء من الخوف الذي تغذيه هواجس ووساوس تصورها الأم في ذهنها كإمكانية الاعتداء على ابنها أو تعرضه لحادث مرور، ولذلك تبقى لصيقة بابنها وبالمدرسة التي التحق بها، وأحيانا تبقى هناك حتى بعد غلق الباب. وهو سلوك مبالغ فيه ناتج عن عدة تراكمات سابقة، وينبغي معالجته بتعليم الطفل الاعتماد على النفس ليكتسب ثقة أكثر، ويجنب والديه تلك المتابعة المبالغ فيها.
ومن خلال حديثنا مع بعض الأولياء فإن الخوف الذي ينتابهم مصدره الأحداث السابقة المتعلقة باختطاف الأطفال، والاعتداء عليهم وكثرة القصص الحقيقية والخيالية عن سرقة أعضاء الأطفال والمتاجرة بها، بالإضافة إلى التنمر والإساءة للتلاميذ والشجارات المتكررة، فكلها عوامل غذت الخوف على الأبناء الذين خرجوا في نظر بعض الأولياء من بيت آمن ودافئ إلى شارع مفتوح على مختلف الأخطار والعواقب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!