إبادة شاملة للأخلاق والقيم
توقّف العدّاد عن إحصاء عدد الشهداء، وتوقفت كاميرات التصوير عن تتبع الأشلاء والتقاط أصوات الأنين، وخطفت –بفعل فاعلين– أحداث أخرى، الحدث، عن بلاد غزة، وما صارت المجازر التي تُرتكب فيها غير خبر ثان أو ثالث أو أخير، وأحيانا لا خبر في بعض الفضائيات العربية، إلى درجة أن إحداها وهي خبرية خالصة، لم تبثّ خبرا واحدا، منذ شهر، عن العدوان على غزة، ضمن التنويم المغناطيسي للضمائر، الذي بلغ درجة متقدِّمة من الغيبوبة لأمة صارت تنسى حتى الزلزال الذي يهزها هزا، وفي كثير من الأحيان تتحلّى به كفاكهة الحياة.
لم تتوقف آلة الحرب دقيقة واحدة، من اقتحامات وقصف بالصواريخ والمسيّرات وحصار وتجويع، ولم تتوقف عن إيذاء أبناء فلسطين، ومع ذلك توقّف التنديد والمظاهرات والمتابعات القانونية للصهاينة، وكانت جميعا أضعف الإيمان، ووجد الفلسطينيون أنفسهم وحدهم، في ساحة حرب أحرق فيها الحقد الصهيوني حتى الرماد.
قد يختلف المتابعون والمؤرِّخون في هوية المنتصر والخاسر في حرب بلغ عمرها ثلاثة أشهر بعد سنة، وسيختلفون بالتأكيد حول مسارها ومن تورّط أكثر في إراقة الدماء وإبادة كل من له نفَسٌ للحياة، ولكن الجميع سيتفق على أن “الشيطان” تجبّر وقاد الحرب، ووجد جيوشا بكل معداتها وأعدادها وعتادها، في كل القارات ومن كل الأعراق والأديان، في نصرته، ومكّن للشرّ في أبشع صوره، عندما قتل الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، ودمّر المساجد والكنائس والبنى التحتية والمقابر والحقول والآبار، وركّز على المستشفيات والمرضى، فانتهى كل شي، وما أراد هو أن ينتهي، وماتت الضمائر والكرامة والشرف وما تعب الشرّ عن ترسيخ “أخلاق” جديدة لبستها البشرية، وقد لا تخلعها في ما تبقى من حياة، خاصة أن العالم انقسم إلى جزأين، أوّلهما يقود العالم بشروره وجبروته، والثاني، صامتٌ مستسلم لا يريد لنفسه حولا ولا قوة.
اشتهر الكيان الصهيوني في كل حروبه بالنَّفس القصير، فجعل من اشتباكاته المسلحة -وغالبيتها عدوانية- مجرد ومضات سريعة، تقلصت في بعض الحروب إلى ستة أيام، فكان مقتنعًا بأن الناس لا تنسى دقيقة ألم و”كمشة” عدوان، وقطرة دم، فما بالك بأشهر من العذاب، وشلالات الدموع، وعشرات الآلاف من القتلى، وكان في كل مجزرة يرتكبها أو يهندسها بأيدي الميليشيات والعصابات من دير ياسين إلى صبرا وشتيلا، يظل يرقّع صورته بدل المرة، مرات، حتى إن صورة مقتل محمد الدرة في الثلاثين من سبتمبر من سنة 2000، هزّته هو كما هزّت كل العالم، فأمضى ما بعد الحادثة، يواري سوأته، ولا يستطيع، فقد كان للإنسانية ضميرٌ وخاصة ذاكرة، تنحت بالأحمر جرائمه وترتدي السواد، طمعا في مستقبل ناصع البياض.
أما الآن، فقد راهن على الوقت واقتنع بأن كل ساعة ويوم وشهر يمرّ، إلا ودُفنت الضمائر، وانقرضت القيم، وسقطت كل الرّايات وبقيت راية الشرّ عالية، فظنّ الناس بأن أشهر الحرب كان هدفها إبادة الإنسان والحيوان والنبات فقط، ولكنها كانت، إبادة لما تبقى من قيم وأخلاق وذاكرة.