-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الأطفال يموتون ببطء.. و"الرحمة" الدولية تصفق  

 إبادة مستمرة في غزة …تحت رعاية العالم 

لؤي صوالحة
  • 290
  • 0
 إبادة مستمرة في غزة …تحت رعاية العالم 
ح. م

منذ أكثر من سبعة عشر شهرًا، يُشنّ على قطاع غزة ما لم يعد يصلح أن يُوصف بـ”العدوان”، أو “الحرب”، أو حتى “المأساة”. ما يحدث ليس مجرد معركة عسكرية، بل حرب إبادة شاملة، مركّبة، متعدّدة الوجوه والأدوات، ومستمرة على مدار الساعة، تُدار بأعصاب باردة وتُنفَّذ بأدوات القتل الجماعي والتجويع المتعمد والتدمير الممنهج.

في غزة، لا يختنق الهواء من البارود فقط، بل من الصمت العالمي. لا يُقتل الأطفال فقط بالشظايا، بل أيضًا بأدوات “الرحمة” التي أصبحت امتدادًا لآلة الحرب.

من العدوان العسكري إلى الإبادة المركّبة

منذ سبعة عشر شهرًا وأكثر، تُخاض ضد قطاع غزة حرب إبادة شاملة لا تتوقف. إنها حرب تتجاوز المعارك التقليدية، لأنها لا تستهدف فقط المقاتلين أو البنى التحتية، بل تستهدف الحق في الوجود نفسه.

إبادة بالسلاح: حيث تُستخدم أحدث ترسانات القتل لتسوية الأحياء بالأرض.

إبادة بالتجويع: حيث يُمنع دخول المواد الغذائية والدوائية لأشهر، ويُحوّل الحصار إلى سكين صامت.

إبادة بالصحة: حيث تنهار المستشفيات وتُمنع الإسعافات وتُقصف غرف العمليات.

إبادة بالتهجير: حيث تُدفع آلاف العائلات إلى النزوح القسري بلا مأوى، بلا وجهة، وبلا ضمانة للعودة.

إبادة بالشرعية: حيث تُعطى إسرائيل الحق الكامل في تدمير غزة، باسم “الدفاع عن النفس”، على مرأى ومسمع من العالم.

إنها ليست حربًا تديرها دولة ضد كيان معادٍ، بل حرب تستهدف ملامح الحياة نفسها، حرب ضد الذاكرة والهوية والطفولة واللغة والأرض.

عندما يصبح الجوع أداة دبلوماسية

يُعدّ الحصار المفروض على غزة واحدًا من أكثر أنماط العقاب الجماعي وقاحةً ووحشية في التاريخ الحديث. لكنه لم يعد فقط حصارًا فيزيائيًا، بل أداة سياسية مبرمجة تستعملها إسرائيل ومعها القوى الدولية، لكسر إرادة الفلسطيني لا عبر السلاح فقط، بل عبر الجوع واليأس والقهر اليومي.

الجوع في غزة لا يأتي نتيجة نقص في الموارد، بل نتيجة قرار عسكري – سياسي مُعلن:

“إما أن تخضعوا… أو تموتوا جوعًا.”

ومع هذا، تتفرج المنظمات الدولية، بل وتشارك في كثير من الأحيان في تأخير القوافل، أو قبول القيود الإسرائيلية، تحت بند “التنسيق اللوجستي”.

فمنظمات الإغاثة الدولية لم تعد سوى جزء من ماكينة إدارة الكارثة، لا من أدوات حلها.

 الشرعية الدولية: شريك خفي في الجريمة

المُفارقة الأخطر أن هذه الإبادة تُدار تحت غطاء القانون الدولي نفسه. إذ أن مجلس الأمن، ووكالات الأمم المتحدة، ومنظمات “حقوق الإنسان”، تتحول عمليًا إلى شريك صامت – وأحيانًا فاعل – في شرعنة الجريمة.

كل تأجيل في اتخاذ قرار إدانة.

كل بيان يساوي بين القاتل والضحية.

كل تبرير للدعم العسكري لإسرائيل.

كل صمت أمام مشاهد الأطفال المحترقين أو الجائعين أو المدفونين تحت الأنقاض.

كل ذلك ليس حيادًا.

إنه تواطؤٌ مقنن، يلبس عباءة الأخلاق وهو في جوهره تفويض بالقتل.

لا يريدون الأرض فحسب… بل تفريغها من الناس أصبح هو الهدف النهائي لهذه الحرب لا يخفى على أحد. إسرائيل لم تكن يومًا معنية فقط بتغيير “سلوك” غزة، أو تفكيك مقاومة، أو ردع صاروخ. ما تسعى إليه منذ النكبة هو مشروع واضح:

“أرض بلا شعب.”

ولأن الطرد الجماعي لم يعد ممكنًا بنفس الأدوات القديمة، فقد طورت منظومة استعمارية تقوم على:

إفقار الإنسان.

حصار روحه.

ضرب أمل البقاء.

دفعه للرحيل طوعًا.

إنه تطهير عرقي بطيء، مُدار بأدوات التجويع والخوف والخذلان.

عندما يُقتل الأطفال على أيدي المنظمات التي جاءت لإنقاذهم

من أخطر مظاهر هذه الحرب أن الطفل الفلسطيني لا يُقتل فقط بالصاروخ، بل بأيدٍ نظيفة تُوصف بأنها “رحيمة”.

الطفل الذي يموت اليوم في حضن أمّه الجائعة، أو في مشفى بلا كهرباء، أو على قارعة الطريق ينتظر قافلة لن تصل، يموت بأمر عالميٍ معلنٍ ومسكوتٍ عنه في الوقت ذاته.

المنظمات التي تقطع مسافات لتقديم الماء في الكوارث الطبيعية، تتردد أمام معابر غزة المغلقة، وتبرّر تأخرها بـ”الإجراءات”.

هل يُعقل أن يموت الآلاف بسبب البيروقراطية؟

أم أن الموت في غزة لا يُزعج أحدًا لأنه ببساطة… ليس مُكلفًا سياسيًا؟

المجاعة تُنجب الثورة

إن ما لا تدركه آلة الإبادة هو أن المجاعات لا تُميت الشعوب، بل تُعرّي الجريمة، وتُفجّر الثورة.

في كل مرة يُقتل فيها طفل جوعًا أو يُهدم فيها بيت، تُولد فكرة.

وفي كل مرة يُخنق فيها صوت، يُولد لحنٌ جديد للمقاومة.

فلسطين لا تنزف فقط، بل تكتب من دمها بيانها القادم.

وما يُظنّ أنه هدوء في غزة، ليس إلا صمت الجمر قبل الانفجار.

هذه ليست حربًا… بل فشلًا جماعيًا للعالم

في المشهد الفلسطيني الراهن، نُواجه حقيقة لم تعد قابلة للتجميل أو التنميق:

العالم سقط أخلاقيًا في غزة.

سقطت معه معاني العدالة، والشرعية، والإنسانية.

وبات كل طفل يُدفن دون دواء أو غذاء، وثيقة إدانة دائمة في سجلّ هذا العصر.

لكن، ما تزال الحقيقة الأقوى تقف شامخة رغم الردم:

الضحية لا تموت. هي تُبعث. كل يوم. من بين الركام. باسمٍ جديد. وغضبٍ أشد. وحلمٍ لا ينكسر.

أطباء بلا حدود: خطة الاحتلال لتوزيع المساعدات “فاشلة وعديمة المبادئ”

“فرقنا تنهار ونرفض توظيف المساعدات لخدمة أجندة الاحتلال”

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!