إجرام لا حد له..
لا هدف لهم إلا ترسيم التفسيخ في بلداننا، وجعل مكوناتنا الثقافية والقومية شذر مذر، متصارعة متناحرة.. هذه هي الوصفة التي هيأوا لها أدواتهم وعملاءهم من قوى وأحزاب ونخب وجمعيات ووسائل إعلام.. هذه هي ضمانات استمرار نهبهم ثرواتنا واستنزاف خيراتنا وصرفنا عن أي محاولة للاستقلال الاقتصادي والثقافي والتحرك نحو التقدم التكنولوجي.. وهذه هي ضمانة بقاء الكيان الصهيوني الغاصب وأمنه.
وفي هذا السياق الاستراتيجي، يجب أن نرى ما يجري على الأرض السورية لنكشف إلى أي مدى بلغ التدخل الأجنبي من وقاحة واستهتار، وإلى أي مدى بلغ جهل بعضنا عندما صدق أن المسألة مسألة حريات وديمقراطية وحقوق تعبير، فيما مليارات الدولارات تصب في أتون المعركة وعشرات آلاف الخبراء الأمنيين الغربيين، الذين جاءوا لإرساء “معالم الديمقراطية”، وإن كثيرا من الفتاوى تهاطلت تبيح قتل النفس التي حرم الله وتستبيح الحرمات وتفتح للأجانب دروبا نحو حصوننا.. واستجلاب مئات آلاف المقاتلين الأجانب مزودين بكل أدوات القتل والإبادة.. وحضور الجيش الصهيوني بالدعم للمسلحين وتزويدهم بالمعلومات والإحداثيات والمستشفيات لتكوين حزام أمني بين سورية وفلسطين..
ما قامت به الطائرات الأمريكية من قصف الجيش السوري وقتل عشرات الجنود، إنما هو في حقيقته تبيان واضح للنوايا الأمريكية تجاه سورية. فلقد كان الهجوم الجوي الأمريكي يغطي هجمات المسلحين على المواقع، في عملية لا يمكن إلا أن تكون ضمن إطار منهجي، وقد اتخذ قراراها على أعلى مستوى.. فلقد جاء هذا العدوان السافر بعد أيام قليلة من إطلاق الجيش السوري صواريخه لملاحقة الطائرات الصهيونية، وكأن أمريكا تقول بوضوح إنه لن يسمح لسورية أبدا موضوعيا وذاتيا بأن تشكل أي خطر أو إقلاق لأمن إسرائيل.. وفي الوقت نفسه، كان الدفع بالجيش الحر من شمال سورية بقوة وحشد كبيرين لاغتصاب قرى ومواقع في معركة الكر والفر المفروضة على سورية لاستنزافها وإرهاقها ومن ثم تقسيمها.
قبل أيام، تم الإعلان عن اتفاق بين الأمريكان والروس لوقف الأعمال العدائية بين قوات الجيش السوري ومجموعات المعارضة المسلحة غير المصنفة إرهابيا.. ورغم عدم الوضوح في التعامل مع المجموعات المصنفة إرهابيا كالنصرة، إلا أن الاتفاق تجاوز نقطا خلافية كثيرة لصالح الدولة السورية، الأمر الذي يفسر تمنع الإدارة الأمريكية عن إفشاء بنوده لأنها تدرك أنه صفعة لحلفائها في المنطقة وإعلان واضح عن فشل المسلحين في إزالة الدولة السورية من الوجود.. فجاءت العملية من نوع التعويض المعنوي للفشل العسكري الميداني في تصرف متغطرس يلقي بكل المواثيق الدولية إلى عرض الحائط.
أجل، إن السير في حقول الألغام هو الرمز الأكثر توصيفا للمرحلة.. ومن المؤكد أن السوريين ليس لديهم ثقة في نوايا الغربيين، ولكنهم يفهمون أيضا أن التعامل مع الاتفاقات الدولية الكبرى ضروري لتعرية المسلحين من غطائهم المعنوي والسياسي الدولي، بعد أن أصبح- للأسف- كثير من الدول العربية وكأنها تضحي بالدولة السورية وتعمل جاهدة لإنجاز هذا الغرض الإجرامي.
صمود سورية واستعصاؤها على الانهيار واستمرار مقاومتها للتفسيخ والتقسيم هو ضمانة استقرار لبنان، وهو ضمانة وجود الظهير الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية، وهو ضمانة إيقاف عجلة انهيار المنطقة وتشظيها في السعودية والعراق.. وهنا تبدو جدوى الحديث عن الخطر الماثل الكبير المتمثل بالمشروع الاستعماري الذي يستهدفنا جميعا بعيدا عن ولوج قضايا لخلاف الثانوية فيما بيننا فهل نصحو؟.. تولانا الله برحمته.