إذا حضر العيد بلا جديد
تحسُّبا لرفع تدريجي للحجر الصحي المرتبط مداه بمدى زوال السبب، هذا السبب الذي يرتبط بدوره بمدى احترامنا للإجراءات المتّخذة من أجل سلامة الجميع، التي للأسف لم تُحترم منذ بداية رمضان، وجدتُ نفسي أفكر في أمر صلاة العيد هذا العام، بعد أن فرض علينا الوباء غلق المساجد وتعليق صلوات الجماعة والجمعات والتراويح أيضا، لأجل صحة الجميع، التي هي أولى الأولويات شرعا وتشريعا، رغم أن الكثير لم يفهم هذه المفارقة ولم يتعظ ولم يتساءل: كيف ضحّينا بالفروض لأجل صحة المواطن؟ ليسمح البعض لنفسه بالتكدُّس بالعشرات أمام الدكاكين والمتاجر لأتفه المشتريات، وهو يرى أن المسجد أمامه وما أدراك ما المسجد، مغلق قد اعتزل، ولم يكلف نفسه هذا المواطن حتى عناء التساؤل: ما هو الأوجب، ترك صلاة الجماعة أم ترك شراء الزلابية؟
وجدت نفسي أمام هذه الأسئلة، وهذا القلق الشرعي والوجودي، أخطب على المنبر مع اقتراب العيد:
أيها الناس، لكَم قلنا لكُم تراصّوا ولا تتركوا الفجوات بينكم لأن الشيطان يحتل الفجوات، لكن اليوم نقول لكم يا سيدي غير خلوه يدخل، كلنا يعلم أن الجائحة ما زالت حية تسعى بيننا وبينكم خاصة ما بينك وبين من يقف بجوارك في الصلاة. تكمَّموا جميعا، واتركوا بينكم وبين المحاذي لكم مقدار شبر أو ثلاثة أشبار. لا تتعانقوا بعدما تتفارقوا ولا تتغافروا بعدما تتعافروا ولا تتصافحوا بعدما تتناصحوا.. ولا تتباوسوا ولا يسلمنَّ أحدٌ على أحد كللي راه زعمة متوحشه. ولا ينسف بعضكم في أنف بعضكم. تطيبوا بالديطول والجافيل والمعقمات الحلال، ولا تستعملوا الحرام في تحليل المحرّم، فقد قال لي أحدُهم قبل يومين: هل يجوز أن أعقّم يديَّ بالمشروبات الروحية؟ روح من؟ روحية يعني كيف؟ روحية؟ هيا روح تروح عليّ، وإلا روح دير التراويح في دارك وخليني طرانكيل خير ماراني نفتي بتعقيم جلدك بثمانين جلدة.. أين كنت؟ إيه.. قلت لكم: لا تتباوسوا كعيشة البواسة، وأهل السياسة.. وكونوا عباد الله إخوانا.. اتركوا بينكم وبين أخيكم في المسجد وفي خارج المسجد بعد الصلاة على الأقل مترا..
أيها الناس، العودة إلى ما كنا عليه، لن تكون اليوم ولا غدا، وعلينا أن نتعوّد على مسافة الأمان والكمامة والامتناع عن التعناق والتبواس والتسلام والتخماس، أشهرا أخرى، إلى أن يرحل المرض نهائيا من كل البلدان وليس فقط من بلدنا.. لأنك لا تعرف من أين قد يأتيك من جديد.. وكلُّنا يعرف من أين أتانا اليقين.. من البلد الذي لا يأتينا منه إلا الباطل من بين يديه ومن خلفه منذ 1830. حافِظوا على التباعد الاجتماعي حتى في صلاة الجماعة، وعلى كمائمكم، وكل واحدٍ يجيب معه سجَّادته، لأنك لا تعرف أين تضع رأسك عند السجود.. ربما على كورونة أخيك محمود. أيُّها الناس، يا سكان جوار المسجد، توضّؤوا في بيوتكم واتركوا الوضوء للآخرين. عقموا أيديكم قبل الحضور إلى الصلاة وعند العودة إلى البيوت: لا تسلِّموا على أحد في البيت وأنتم عائدون من المساجد.. أما عن الأسواق، فلا أوصيكم.. لأن هذا الأمر لا يتناطح عليه عتروسان.. كما قال الراحل العربي دماغ العتروس..
لا تغافروا أحدا عند العودة إلى البيوت حتى تتطهّروا وتغيِّروا أثوابكم وتغلوا أيديكم أو تدوشوا.. قاع خير.. أو تعقموا أيديكم، فلا أحد يعرف ماذا أحضر معه من صلاة الجماعة والعيد في المسجد..
وما إن قلت لهم.. وبركاته.. حتى ناضوا يتسالموا ويتعانقوا كللي ما وصّيتش!