-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إسرائيل… مفارقة

جمال لعبيدي
  • 89
  • 0
إسرائيل… مفارقة

لنقلها بصراحة، إسرائيل تشكل مفارقة. فلولا الولايات المتحدة، لما كانت إسرائيل موجودة، أو بالأحرى لما أمكنها الوجود. هذا أمر جليّ عسكرياً، ولكنه جليّ واقتصاديّ أيضاً. بل يمكن القول وثقافيّاً كذلك، إذ ليس لإسرائيل أي رابط ثقافي، ولا أي تعلق، ولا أي علاقة، ولا أي نشاط ثقافي في المنطقة التي تتواجد فيها.

إنها غير مدرجة ولا مدمجة فيها، بل هي ذات ثقافة غربية. وفي واقع الأمر، فقد تم إلحاقها بمنطقة أخرى، وهي المنطقة الأوروبية، سواء في التظاهرات الثقافية الدولية (مثل “اليوروفيزيون”) أو في التظاهرات الرياضية.

وعلى الصعيد العسكري، فإن واردات إسرائيل من الأسلحة العسكرية من الولايات المتحدة تُموَّل في جزء كبير منها بواسطة المساعدات العسكرية الأمريكية نفسها. فالولايات المتحدة توفر 69% من الأسلحة التقليدية، الاعتيادية لإسرائيل. وبين عامي 2023 و2024، وهي فترة الإبادة الجماعية في غزة، أنفقت الولايات المتحدة رقماً قياسياً بلغ 17.9 مليار دولار في شكل مساعدات عسكرية مباشرة. كما أن “القبة الحديدية” الشهيرة تُموَّل بشكل أساسي من طرف الولايات المتحدة. أما الاقتصاد الإسرائيلي، فهو غارق في التبعية العميقة لاقتصاد الولايات المتحدة، بل يمكن القول إنه متداخل معه: ففي عام 2025، بلغت التبادلات التجارية 64 مليار دولار. ويعود الجزء الأكبر منها إلى خدمات التكنولوجيا العالية التي يمكن القول إن إسرائيل تشكل فيها ما يشبه ملحقاً لـ “سيليكون فالي”، لدرجة أن النظام البيئي التكنولوجي الإسرائيلي غالباً ما يُطلق عليه اسم “سيليكون وادي” (وادي السيليكون بالعبرية). وبسبب موقعها الجيوسياسي، لم يكن بمقدورها بالفعل، لأسباب واضحة، إلا التخصص في قطاع الخدمات.

هذه الأرقام هي الأرقام الرسمية، المتاحة للجميع. ولكن هناك أيضاً تدفقات هامة أخرى تأتي من الولايات المتحدة ولا تظهر في الإحصائيات: مثل التحويلات القادمة من المنظمات الصهيونية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة الضخمة الموجهة نحو إسرائيل، والتحويلات العسكرية في شكل أسلحة أو موارد مالية والتي تظل سرية للغاية.

وإذا كانت إسرائيل لا تستطيع الوجود بدون الولايات المتحدة، فإن الدول الأخرى في المنطقة توجد في ذاتها ولذاتها: مصر، المملكة العربية السعودية، إيران، اليمن، السودان.. إلخ. فجميعها موجودة منذ زمن طويل دون انقطاع، وبعضها أحياناً منذ آلاف السنين، كحضارات، وكبلدان، ثم كدول وأمم. وقد تكون خاضعة، أو مسيطَراً عليها، أو مُستعمَرة، ومع ذلك تظل موجودة. أما إسرائيل فلا. لقد نجحت البروباغندا (الدعاية) –وسنعود إلى هذا– في تحويل هذا العجز عن الوجود بشكل مستقل لدى إسرائيل إلى فضيلة، ودليل على أن إسرائيل منخرطة باستمرار في “معركة وجودية”، وأن هناك سعياً لتدميرها.

حجة تدمير إسرائيل

حتى هذه الحجة، القائلة بأن هناك أمماً من حولها تريد تدميرها، تنقلب ضد إسرائيل. فأين رأينا أمة مهددة بالتدمير؟ هذا لا وجود له. فالأمة هي واقع ناتج عن صيرورة تاريخية لا يمكن عكسها. ولنقتبس من الفيزياء: الطاقة لا تفنى. والطاقة التاريخية الكامنة والمركزة في تشكّل أمة ما لا يمكن أن تختفي، بل إنها تعمل كأداة تكافح بها أي محاولة لتدميرها، وهي تنبثق كطاقة متفجرة تتجلى في اندلاع نضالات التحرر حين يستدعي الأمر، وكما هو الحال تماماً بالنسبة لفلسطين.

لقد اتهمت إسرائيل بانتظام، وبشكل دوري، دولاً عربية أخرى برغبتها في تدميرها؛ بالأمس مصر والعراق وسوريا وليبيا، واليوم إيران. فما هي إذن هذه الدولة التي تشتكي دون توقف من أن هناك من يريد تدميرها، في حين أنها لا تستطيع الوجود من تلقاء نفسها، ولا يمكنها ذلك لولا وجود دول أخرى تحميها؟ ما هو إذن لغز هذا البلد الذي يوجد دون أن يوجد، ودون أي تجذر جغرافي وحضاري في محيطه؟

إن التهديد بتدمير إسرائيل هو حالياً الحجة القاطعة والمانعة التي تُساق كمسلّمة، كأمر بديهي، وكملاذ أخير كلما غابت الحجج الأخرى. وهي تُستخدم لتبرير كل الحروب والحملات العقابية لإسرائيل: “إنهم يريدون تدميرنا، لقد أقسم على تدميرنا”. كم مرة سمعنا هذا، لا سيما بخصوص إيران. وينتاب المرء شعور بأن يقول: وماذا في ذلك؟! كم من الدول تود لو تخفي دولاً أخرى من الوجود، بدءاً بالاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. لكن السؤال هو معرفة ما إذا كان بمقدورها ذلك، وهذا ما يُسمى بالتعايش. فكل بلد بكل بساطة يردع الأعداء المحتملين من خلال دفاعه، الذي خُصصت له وزارة بالمناسبة. المشكلة إذن ليست هنا، لأن إسرائيل تملك بوضوح الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها، أو بدقة أكبر، بشن هجماتها.

وحتى لو غضضنا الطرف عن الهشاشة الخلقية لإسرائيل، فإن التهديد بتدميرها لا يحمل أي واقع ملموس أو مادي. وإذا كان هناك دولة قد دُمِّرت مادياً، فهي فلسطين. غير أن هذه الأخيرة مستحيلة التدمير كأمة، وكبلد، حتى في غزة، وحتى مع اقتلاع المستوطنين لأشجار زيتونها المعمرة بكل ضغينة. هنا يكمن الفارق.

وإذا كانت هذه الحجة السخيفة المتمثلة في التهديد بتدمير إسرائيل تجد صدى لها، فليس لأن هذا التهديد فوري وحقيقي، بل بسبب الهشاشة الداخلية والوجودية لإسرائيل. المشكلة إذن تكمن في مكان آخر؛ إنها في الإسرائيليين أنفسهم الذين يعيشون باستمرار تحت وطأة صدمة (تروما) الأرض المسروقة، وفي التشكيك في حقهم في العيش عليها، والذين يلتقون كل يوم بالفلسطينيين الذين كانوا هناك بالفعل قبلهم. وتكمن المشكلة أيضاً في شعور الإسرائيليين بأنهم يعيشون محاصرين في محيط غريب يُنظر إليه بالتالي كتهديد. وينتاب المرء رغبة في أن يقول: ولماذا الاستمرار في العيش هناك إذن إن كان الوضع كذلك؟

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن جوهر السردية التاريخية الرسمية لإسرائيل يرتكز على هذا الحق في الوجود في هذا المكان من خلال بناء تاريخ خرافي للشعب اليهودي، وخروجه من. الأرض الموعودة، ثم عودته إلى هذه الأرض .أما بالنسبة للرأي العام الغربي، فإذا كانت حجة تدمير إسرائيل تنطلي عليه –وإن كان ذلك يقل شيئاً فشيئاً– فذلك لأسباب مختلفة: لأن هناك شراكة طويلة ومصالح متبادلة بين الغرب وإسرائيل، ولأن إسرائيل قدمت خدمات. متعددة للهيمنة الغربية في المنطقة.

ونلاحظ أيضاً أن حجة “تدمير إسرائيل” هذه تُشهر في كل مرة يراد فيها تبرير تدخل عسكري ضد دولة تبرز في الشرق الأوسط، وتُعزز استقلالها، ليتم تصنيفها على الفور كعدو للغرب، وبالتالي كعدو لإسرائيل. وحينها تقوم إسرائيل بالهجوم أو يتم دفعها لشن الهجوم.

إسرائيل: ظاهرة غير مسبوقة

وهناك مفارقة أخرى في تاريخ إسرائيل تتمثل في أن إسرائيل تعمل بنفسها على تدمير ذاتها، وبثبات كبير إن صح التعبير. فكلما ضاعفت من المجازر، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات القانون الدولي، كلما طعنت هي نفسها في شرعيتها، وفي أسباب وجودها، وفي القيم كما أعلنتها في البداية. وليس هناك في التاريخ مثال لأمة بُنيت بهذه الطريقة وصمدت في ظل غياب الشرعية. فنظام الفصل العنصري (“الأبارتايد”) في جنوب إفريقيا لم يتمكن من البقاء بعد أكثر من مئتي عام من الوجود الاستعماري. وكذلك الأمر بالنسبة لـ “الجزائر الفرنسية” بعد 130 عاماً. ويمكن قول ذلك عن جميع المستعمرات. فلماذا تفلت إسرائيل من هذه القاعدة؟

وهذا ما يدفع إلى التساؤل أكثر فأكثر، وبطرق متجددة أكثر دائماً، عن أسباب وجود إسرائيل ذاتها. ولن تغير اتفاقيات أبراهم كلها من الأمر شيئاً. وكل انتصار تحققه إسرائيل على جاراتها لا يؤدي، ويا للمفارقة، إلا إلى إضعاف إسرائيل، لأنه يبعدها عن شروط نشوء الأمم وتبلورها، والمتمثلة في هوية مشتركة مع جيرانها –مثل الأمم الأوروبية فيما بينها– وفي نفس الوقت، التمايز من خلال اللغة والتاريخ والأرض.. إلخ. في حين أننا هنا أمام تشكيل غربي غير قابل للذوبان في المحيط الإقليمي العربي الإسلامي. إن مسألة تعريف إسرائيل من خلال الأرض هي نفسها في تغير مستمر، تماشياً مع الانتصارات –وكلها انتصارات بطعم الهزيمة (“پيروسية”)– التي تحققها على الجيران. وهي لا تؤدي، بلا ريب، إلا إلى زيادة عدائهم باستمرار. ويصبح ذلك ذريعة لإسرائيل لشن حرب جديدة، إما للتوسع باسم “أمنها”، أو لإخضاع الخصم كما تريد أن تفعل حالياً بخصوص لبنان.

إننا أمام ظاهرة فريدة، وربما غير مسبوقة؛ ظاهرة دولة تُدعى يهودية تسعى لأن تكون أمة بالاسم نفسه. وحين نبحث عن المحددات المادية والفيزيائية لهذه الأمة، مثل حدودها الجغرافية وتطورها التاريخي كما هو الحال بالنسبة للأمم الأخرى، نكتشف أمراً مذهلاً: وهو أنها لا تملك سوى واقع ذاتي، بل وحتى خيالي، بمعنى أنه مرتبط بسردية وليس بتاريخ مادي، موثق وكثيف.

إسرائيل هي مفهوم، فكرة، حلم تحول إلى كابوس، بناء ذهني، و يوتوبيا  أرادت فرض نفسها بضراوة كلما قاومها الواقع. وحينها جرى نفي الواقع، وعاشت إسرائيل أولاً في إنكار؛ إنكار الواقع العنيد للفلسطينيين أولاً، ولكنها عاشت أيضاً في إنكار حقيقة مفادها أن الشعب اليهودي لا وجود له، كما أنه لا وجود لشعب مسلم أو مسيحي.. إلخ. لقد أرادت إسرائيل بناء صورة مثالية للإسرائيليين، يُفترض أن تجسد وتجعل من صورة اليهود نموذجاً مثالياً، فوجدت نفسها في مواجهة الحقيقة، مواجهة الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية والواقعية للدولة العبرية؛ وهي صورة مغايرة تماماً تعكس انقساماتهم، وتنوعهم الثقافي، وثقافاتهم المتعددة الألوان، وجذورهم الكثيرة التي غالباً ما تكون أقوى بكثير من تلك الإسرائيلية الحديثة العهد، واختلاطهم ككل سكان الأرض، وهوياتهم الحقيقية المختلفة بل والمتباينة، وتواريخهم المتنوعة كتاريخ كل الهويات الدينية. وكلما عاند الواقع الأوهام، كلما كبُر الإنكار، وكبُرت معه في إسرائيل حالة فقدان الرشاد، والوحشية، والحاجة إلى قتل هذا الواقع. ومع الإبادة الجماعية في غزة، بلغت إسرائيل ذروة هذا الجنون الهائج، في طريق بلا عودة، ومنعطف في وجودها الفوضوي. لقد أنجبت إسرائيل نتنياهو لكي يغتالها.

ما هي إسرائيل إذن؟

إذا لم تكن إسرائيل بلداً، ولم تكن أمة، فما هي إذن؟ أي كلمة قد تناسبها؟ لعله مصطلح “الكيان” كما يُستخدم غالباً في العالم العربي. ونحن نفهم هذه الكلمة الآن بشكل أفضل ومهما يكن من أمر، فلا بد أن نحكم دائماً على الأشياء انطلاقاً من الممارسة، وانطلاقاً من الوقائع. وفيما يخص الوقائع، فإن الأمر المؤكد هو أن إسرائيل مجتمع محارب، وقاعدة عسكرية عملاقة. فلم تتوقف عن خوض الحروب منذ ما يقرب من 80 عاماً على وجودها، ضد كل البلدان، دون استثناء، الواقعة في محيطها، الواحد تلو الآخر. والحجة القائلة بأنها فعلت ذلك لأنها مهددة، حجة لا تصمد؛ وعدوان السويس في أكتوبر 1956 هو أحد الأدلة على ذلك. فقد كانت حرباً أنجلو-فرنسية من أجل ملكية قناة السويس التي أممتها للتو مصر جمال عبد الناصر. بالإضافة إلى ذلك، كان لفرنسا آنذاك دافع آخر، وهو وضع حد للدعم المصري لحرب الاستقلال في الجزائر. إذن، لا علاقة للأمر بفلسطين.

إسرائيل هي المتخصصة في الحروب الاستباقية، والحروب التي تُشن على غرة في انتهاك صارخ للقانون الدولي. وفيما يتعلق بالحرب العراقية الإيرانية، فقد شاركت فيها على الأقل بشكل غير مباشر من خلال دعم عسكري لـ… إيران، حيث كان يُنظر إلى العراق آنذاك على أنه أكثر خطورة. ويا لسخرية التاريخ. وهذا هو الدليل القاطع على أن التبريرات بمحاربة الإسلاموية ليست سوى تبريرات ظرفية.

كل هذا يُمهر طبيعة إسرائيل: مجتمع صنعته الحرب، ومُنظم من أجل الحرب. شعب بأكمله، رجالاً ونساءً، مُعبأ بشكل مباشر أو غير مباشر للحرب. تملك إسرائيل جيشاً لا يتناسب مع حجم سكانها، وإنفاقاً على التسلح لا يتناسب هو الآخر مع ناتجها المحلي الإجمالي. ومن الصعب في ظل هذه الظروف التحدث عن تنمية مستقلة وعن استقلال اقتصادي وتكنولوجي. إنها أسطورة إلى حد كبير، تغذيها البروباغندا هي الأخرى. فالحياة الاقتصادية لإسرائيل تابعة بعمق للولايات المتحدة، سواء في التمويل أو التكنولوجيا.

وهناك وظيفة أخرى لإسرائيل غير معروفة كثيراً وهي أنها تعمل كملاذ لمجموعات من المافيا، والعصابات، والمحتالين الماليين، والذين لا يُطلب منهم سوى أن يكونوا من أصول يهودية للاستفادة من حصانة مطلقة. وهذا لا وجود له في أي مكان آخر.

ويمكن القول هكذا إنه بعد مرور زهاء 80 عاماً على تأسيسها، لم تتمكن إسرائيل من أن تصبح بلداً طبيعياً، أو دولة طبيعية. ولا يمكن الاستمرار في إدارة الظهر للتاريخ على هذا النحو. هذا الوضع قد يستمر بالطبع لبعض الوقت، ولكن ليس على المدى الطويل، ليس في الزمن التاريخي. فضلاً عن ذلك، فإن عامل الزمن لن يغير شيئاً من المعطيات الأساسية ومن المعضلة الإسرائيلية. ولذلك يجب استخلاص الاستنتاج الذي يفرض نفسه: إن دولة إسرائيل، بحالتها الراهنة، غير قابلة للاستمرار. وهناك بالإضافة إلى ذلك العامل الديمغرافي الذي سيجعل السكان اليهود، حتماً، وبداخل ما يُشكل إسرائيل اليوم، أقلية.

فهل ستكون هناك آنذاك دولة فلسطينية، متعددة الأديان، تشهد –من خلال نوع من الانتقاء الذاتي– تواجد اليهود الذين يشعرون بالأخوة تجاه الفلسطينيين، مسلمين أو مسيحيين، وبالتالي يتم عبر هذا المدخل الحفاظ على تواجد أولئك الذين كانوا يبحثون بصدق عن وطن يهودي دون سرقة وطن الآخرين؟ سيكون ذلك حينها انتصاراً كبيراً للتاريخ الذي سيعود هكذا إلى منابعه، وإلى الانسجام السالف بين الأديان السماوية. لقد أثبتت التجربة بالفعل أن الصهيونية لم تكن قادرة على ضمانه، وأنها تحمل في جوهرها وفلسفتها بذور الإقصاء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!