إصلاح ناس السياسة حتى تصلح سياسة الناس
التعويل على استحقاق تشريعي مفتوح لطبقة سياسية مستضعفة متخشبة، وبنظام عوق أكثر من مرة مسار الإصلاح، والرهان عليه لتحقيق النقلة النوعية المطلوبة، تحمي البلد من تداعيات الربيع العربي ومن التحرش الغربي، يؤجل مرة أخرى الحاجة إلى تدبير إصلاح ناس السياسة قبل التفكير في سياسة صالحة للناس.
قرائن كثيرة حملت جانبا من القوى السياسية على الإقرار بوجود فرصة حقيقية لإحداث التغيير على هامش الاستحقاق التشريعي القادم، وانفتاح نافذة ظلت موصدة في وجه من كان يرغب في تطوير المسار الديمقراطي، أو على الأقل إخراج المسار من حالة الجمود والتخشب التي آل إليها، حتى بعد إعادة تنشيطه غداة تصفية مخلفات العشرية السوداء.
.
الربيع الذي أرعب أنظمة في خريف العمر
لا مراء أن أحداث الربيع العربي كان لها تأثير إيجابي بما أنتجته من مخاوف، حقيقية أو متوهمة، من توسيع رقعة العبث باستقرار الدول تحت عناوين جذابة لدعم حراك الشعوب المشروع من أجل انتزاع حق المشاركة في إدارة أمرها. ولا شك أن مثل تلك الحسابات تكون قد حفزت السلطة على عرض رزمة من الإصلاحات لم تكن أصلا مبرمجة في هذا التوقيت، ولم يكن بوسع أحد أن يتوقع نشوء رهان بهذا الحجم والقوة على استحقاق تشريعي، لم يسبق بمفاجئات وتغييرات تذكر على مستوى موازين القوة، كما لم يسبق بتعديل دستوري يمنح البرلمان سلطات وصلاحيات جديدة، توجب أو تبرر الاقتتال على العهدة النيابية.
وعلى صعيد آخر، لم تكن الطبقة السياسية قد تأثرت كثيرا بما جرى ويجري من حولنا، أو أبدت بعض الاستعداد لسبر مقدار استعداد وتأهب الشارع الجزائري للدخول في ما دخل فيه الأشقاء في دول الجوار، والبناء عليها لقيادة حراك شعبي يعول عليه، باستثناء ما حاولته بعض القوى الهامشية، وزمرة من النشطاء الحقوقيين، أرادوا البناء على موجة الشغب الاجتماعي، سرعان من طوقته الحكومة وأطفأت بؤره.
وفي كل الأحوال، فإن السلطة لم تكن تحت الضغط الذي لا يقاوم، حتى تركن إلى مطلب الإصلاح والتغيير رغم حاجة البلاد الماسة إليه، وكانت قوى نافذة من داخل السلطة قد عوقت أكثر من مرة ما أتيح من فرص للإصلاح، كان آخرها تعويقها لمشروع تعديل الدستور عشية التوافق على عهدة ثالثة للرئيس، بل إنها اجتهدت في تحريك القوى المحافظة داخل البرلمان وتشجيعها على إفراغ رزمة الإصلاحات من محتواها، وكأنها ترغب إلى آخر لحظة في حرمان الرئيس، وهو على مشارف إنهاء عهدته الثالثة والأخيرة، حرمانه من فرصة ترك بصمته السياسية الإصلاحية.
.
معارك الربع ساعة الأخير
والحال ما الذي حمل رئيس الجمهورية على التدخل في مجريات الاستحقاق التشريعي، واللجوء إلى لغة التخويف والتهويل من تداعيات فشل الاستحقاق على أمن واستقرار البلاد، أملا في شحذ همم الناخبين وتحريضهم على المشاركة الواسعة؟
فمن دواعي الغرابة حقا، أن رئيس الجمهورية الذي تعامل بكثير من التجاهل والتحقير مع البرلمان طوال العشرية الماضية، ولم ينشغل قط بمآل الاستحقاقات التشريعية السابقة، أو بما يحتاجه البرلمان من مصداقية، أن ينشغل اليوم وهو في النصف الثاني من عهدة الأخيرة بما ينبغي أن يكون للبرلمان القادم من مصداقية، سوف تقررها بلا شك نسب المشاركة ومستوى إقبال الناخبين على التصويت، وهو الذي استفاد من الضعف المزمن للبرلمان، وتحديدا من ضعف البرلمان المنتهية ولايته، كان نتيجة طبيعية لضعف المشاركة في التشريعيات السابقة.
ثم إن استشراف رئيس الجمهورية لتداعيات محتملة قد تترتب عن فشل الاستحقاق القادم، لها صلة بما يجري في العالم العربي من ركوب غربي واضح للحراك الشعبي، لم يعد له ما يبرره، أو يدعو إلى التخوف من استنساخ ما حصل في ليبيا أو سورية، أو حتى ما دبر له في تونس ومصر لأكثر من سبب:
ومنها أن الاستحقاق التشريعي يأتي في ظروف اجتماعية وأمنية مستقرة، مع تراجع موجة الاحتجاجات داخل القطاعات والمرافق الخدمية الكبرى، التي امتصت داخلها قوة الدفع بالمراجعات الواسعة في سلم الأجور والعلاوات. وعلى المستوى الأمني تراجع حضور القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وانتقل التركيز إلى التهديدات الأمنية على الحدود الشرقية مع ليبيا، وجنوبا مع الأوضاع المتردية في مالي، وهي أوضاع أمنية يستفيد منها النظام في علاقاته مع الدول الكبرى ، والأهم من كل ذلك أن الولايات المتحدة والغرب سوف تبقى لشهور قادمة منشغلة بمآلات الحالة السورية المركبة والمعقدة، والتي لا تسمح لهم بفتح جبهة جديدة في بلد بحجم الجزائر، قد تكون إدارتها أصعب من إدارة الملف السوري، مع نظام له ما للنظام الجزائر من خبرة في التعامل مع العنف والمجاميع المسلحة.
.
استدعاء متأخر لقوة الناخب الناعمة
لكل ذلك فإن مجمل عناصر رسالة التخويف التي وردت في خطاب الرئيس الأخير لا تصمد طويلا أمام طبيعة الحقائق على الأرض، أو تكون كافية لتحفيز الناخب على المشاركة. وفي كل الأحوال فإن الشطر الثاني من الخطاب الذي شبه الاستنفار المطلوب من أجل إنجاح الموعد الانتخابي القادم بالاستنفار الذي بعث ثورة التحرير هو الأهم والأكثر إثارة، لأنه يستبطن رغبة حقيقية عند رئيس الجمهورية من أجب حمل المواطن الناخب على استثمار هذه النافذة المفتوحة، وقد وعد بتأمينها من العبث والتزوير، والضغط على شخوص المشهد السياسي بمشاركة واسعة للناخب.
.
دورة استدراك لإصلاح سياسي معوق
لا شك عندي أن الرئيس لم يكن سعيدا بما أنجزه البرلمان المنتهية ولايته، ولا بتمسك القوى التقليدية بمواقف معادية للإصلاحات، وقد سبق لها أن خذلته من قبل، وآزرت القوى التي عارضت طوال العهدتين السابقتين رغبة الرئيس في تعديل الدستور، وخاصة حرصه على تغيير نظام الحكم الحالي بنظام رئاسي، عارضته بشراسة قوى نافذة من داخل السلطة.
فرئيس الجمهورية يعلم أنه لم يبق أمامه متسع من الوقت لتحقيق الإصلاح السياسي النوعي المطلوب، الذي قد يذكر به مستقبلا أكثر من أي إنجاز آخر يحسب له كيفما كانت أهميته، في الاقتصاد والبرامج الإنشائية الضخمة، التي لا تنكر في حقل المواصلات والنقل والمياه وحتى في السكن.
“المخاوف الحقيقية التي لم يكن بوسع الرئيس أن يفصح عنها لها صلة بما يعرفه العام والخاص بشأن انصراف المواطن عن تعليق أي أمل في الإصلاح… على أيدي شخوص الطبقة السياسية التي خانته في أكثر من مناسبة“
ثم إن رئيس الجمهورية قد حمل منذ توليه قيادة البلاد كامل المسؤولية على حالة الانسداد التي ميزت الحياة السياسية، وإن لم يكن طليق اليدين لتعرية مواطن وشخوص الممانعة للإصلاح من داخل السلطة، أو لأنه تردد فوق ما كان ينبغي في تصفية الحساب مع البؤر المعادية للإصلاح، في وقت كانت قد تجمعت له شعبية حقيقية غداة استحقاق 2004.
.
الرهان على استحقاق يجدد الطبقة السياسية
لأجل ذلك ربما يكون رئيس الجمهورية قد علق الآمال على البرلمان القادم، وتحديدا على وصول قوى سياسية جديدة ومتنوعة، تحدث تغييرا في موازين القوة لصالح تبني إصلاحات في الدستور، ثم في نظام الحكم ومؤسسات الدولة، تستجيب لتطلعات المواطنين، وتنهي حالة الجمود السياسي الذي أقفل اللعبة السياسية، وقتل التعددية السياسية، وأفسدها كما أفسد الإعلام ومكونات المجتمع المدني، وكان لرئيس الجمهورية فيه نصيب من المسؤولية، حتى لو صدقنا ما يقوله بعض المقربين بشأن حالة الاضطرار التي كان عليها الرئيس، والحاجة إلى التوفيق بين الرغبة في الإصلاح، وضرورة مداهنة القوى النافذة الممانعة من داخل السلطة، مع اشتغاله على إضعاف مؤسسات دستور 89 يأتي على رأسها البرلمان وشخوصه من الأحزاب السياسية.
المخاوف الحقيقية التي لم يكن بوسع الرئيس أن يفصح عنها لها، صلة بما يعرفه العام والخاص بشأن انصراف المواطن عن تعليق أي أمل في الإصلاح، أو تحسين أحواله على أيدي شخوص الطبقة السياسية التي خانته في أكثر من مناسبة، ورآها تشتغل على اقتسام الريع أكثر من اشتغالها على الوفاء بالحد الأدنى من واجبات التمثيل على المستوى الوطني كما على الصعيد المحلي، ولم يعد يميز لا بين أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة، ولا بين عناوينها الموزعة على كامل ألوان الطيف.
وفي هذا السياق، فإن الحياة السياسة لم يعطلها “التخشيب” المنهجي للمؤسسات المنتخبة، وتعويق نشاطها، أو تهميشها وإبعادها عن المشاركة في صناعة القرار، بقدر ما كانت ضحية لسياسة سلطوية منهجية، استهدفت إفساد الطبقة السياسية، وإشغالها في معارك هامشية على السلطة داخل مؤسسات الأحزاب، وفي التهارش الفاضح على ريع المواقع التمثيلية والمناصب في الأجهزة التنفيذية.
وحتى مع التجاوز وحسن الظن، على الأقل في ما قد تأتي به الأحزاب المعتمدة حديثا، فإن الرهان على قدرة شخوص المشهد السياسي الحالي على تصور مقاربة جديدة لما تحتاج إليه البلاد من إصلاحات، بل وحتى على وجود رغبة فعلية لديها في الإصلاح والتغيير، هو كمن يجازف بالراهن مرة أخرى على قدرة قاصر سفيه، خارج لتوه من حالة إفلاس، على إدارة عملية تصفية راشدة للكيان المفلس بأقل كلفة، ثم توليه قيادة بنيان جديد مؤمن ضد الإفلاس المبكر.
.
الإصلاح المؤجل لمشهد سياسي معطل
وإذا كان هذا هو رهان الرئيس على الطبقة السياسية، وقد عجم كنانتها وسبر أغوارها، وشارك في تسطيحها واستغراقها في الفساد، وتحولها إلى هياكل خاوية على عروشها، فإنه يكون قد انتقل من وهم تغيير سلطة فاسدة بمعية الفاسدين، وإصلاح الدولة بقوى معادية للإصلاح، إلى التعلق بوهم إصلاح مشهد سياسي فاسد بمعية وإشراف طبقة سياسية، إن يكن من الظلم الحكم عليها بالفساد بالمطلق، فلا أقل أن يشهد عليها بالقصور، وبحاجتها إلى إصلاحات عميقة لمؤسساتها، وافتقارها إلى الانفتاح على جيل جديد وشاب من السياسيين، يمكن للبلد أن تراهن عليه، وتستثمر فيه، وتقيل عثراته إلى أن ينضج ويشتد عوده.
“قبل ظهور الحاجة إلى تأمين المسارات الانتخابية، والاطمئنان على التعددية السياسية، كان ينبغي للرئيس أن يساعد البلد على تشكل وبناء كيانات سياسية مؤمنة بالتعددية والديمقراطية، منفتحة على ثقافتيهما، قادرة على تصور وابتكار البدائل والحلول“
هذا هو الإصلاح الذي كنا ننتظره من الرئيس، كان له الأولوية على رفع شعار إصلاح الدستور والدولة والمسار الديمقراطي. فقبل ظهور الحاجة إلى تأمين المسارات الانتخابية، والاطمئنان على التعددية السياسية، كان ينبغي للرئيس أن يساعد البلد على تشكل وبناء كيانات سياسية مؤمنة بالتعددية والديمقراطية، منفتحة على ثقافتيهما، قادرة على تصور وابتكار البدائل والحلول، مؤمنة بحاجة البلد إلى جميع أبنائه دون إقصاء، مؤمنة من الاختراق والتساوق مع الأفكار والبدع السياسية والفكرية الوافدة، تشترك جميعها في الدفاع عن مصالح البلاد وتضعها فوق المصالح الحزبية الضيقة.
وقتها لن يكون الرئيس بحاجة إلى خطاب التخويف والتهويل لحمل المواطن على القيام بواجباته، أو تكون البلد تحت التهديد، أو تظهر السلطة بهذا القدر المعيب من الخوف المستدام من القوى المعارضة أو الخوف من مواطنيها، وإنفاق وهدر مقدرات البلاد في تسمين المؤسسات الأمنية التي رأيناها تنهار في بحر ساعات أمام الشارع المنتفض.