إفراج مؤقت عن إصلاحات مؤجلة
شيء ما جديد في إيقاع حركات رئيس الجمهورية، يوحي هذه المرة أن الرئيس جاد في تحريك المياه الراكدة، وحمل أركان النظام والمعارضة معا على الدخول في شراكة، من أجل صياغة إصلاحات سياسية للنظام وللدولة، هي في الواقع معطلة منذ نهاية 1991، حين ظهر للعيان قصور الدستور التعددي الأول في التعاطي مع أول أزمة سياسية تواجهه، وتحمل الدولة العميقة على تعطيل أحد مساراته الانتخابية بالثمن الذي يعلمه الجميع.
التكليف السريع لرئيس ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى، بإدارة المشاورات مع الأحزاب السياسية والشخصيات والجمعيات مطلع الشهر القادم، هو بلا ريب فرصة تتاح للمعارضة لكي تقيم الحجة على الرئيس، وعلى النظام معا، بأن تشتغل ككتلة منظمة متضامنة ومتوافقة على حد أدنى من الأفكار الإصلاحية، التي تتجاوز بالضرورة الآفاق الحزبية الضيقة، كما يفترض أن يقلع النظام عن سياسة الترقيع بطرق الفتق والرتق من الثوب “الراشي” لدستور هو شبه معطل.
فمع أن البلد لا يملك ترف الدعوة إلى صياغة دستور جديد، إلا أن حاجة البلاد إلى تجديد نظام الحكم، ومراجعة توزيع السلطات بين مؤسسات الدولة، وتحقيق قدر من الانفتاح على المعارضة، يوجب أن يحسم التعديل الدستوري القادم طبيعة النظام، والخروج نهائيا من النظام المختلط الهجين غير القابل للإصلاح، في بلد أخفق في العقدين الماضيين في تشكيل مشهد سياسي ديناميكي ومتوازن، قادر على تنشيط حياة برلمانية مستقرة، تمارس نصيبها من السلطات، أمام رئاسة تتمتع على الدوام بدعم منضبط وبلا حدود، من مؤسسات الدولة العميقة.
الحسم في هذا الخيار سوف يعبد الطريق أمام البحث عن كثير من التوافقات مع مكونات المجتمع السياسي، حين ينتقل الاهتمام إلى البحث في صلاحيات المؤسسة التشريعية في ظل نظام رئاسي، لسنا مجبرين على استنساخه بالكامل من النموذج الأمريكي، وقد نتدرج فيه من نظام يعمل بحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ويكون قادرا على إسقاطها، إلى نظام رئاسي متطور، يفصل لاحقا فصلا كاملا بين الجهاز الإجرائي والمؤسسة التشريعية، وما ينبغي أن تحرص عليه المعارضة وتعيه جيدا، أنه ليس لها خيارات كثيرة، حيث إن أركان الدولة العميقة رافضون لصيغة النظام البرلماني، فيما ستكون محاولة ترقيع النظام المختلط بمثابة ترخيص مسبق للرئيس لمواصلة تجاهله للمؤسسة البرلمانية.
المحور الثاني الملح، في أي إصلاح جاد لمؤسسات الدولة، ينبغي أن يهتم بالبحث عن صيغة دستورية مبتكرة، تمنح قدرا من الاستقلالية والحصانة لمواقع المسؤولية في الجهاز البيروقراطي الإداري للدولة، يحصنها من تعسف كبار المسؤولين، المدنيين والعسكريين، الذي هو أصل كل فساد إداري ومالي، وهو عندي، بعد تثبيت استقلالية القضاء، أهم إصلاح سياسي تحتاجه الدولة والبلد، يخرج إدارات الدولة من سلطة ذوي النفوذ إلى سلطان القانون.
نجاح المشاورات القادمة في الخروج عن إطار المسودة المقترحة، والتوصل إلى قدر من التوافق حول هذه المحاور، سوف يكون أهم إنجاز للرئيس ولمكونات المشهد السياسي، قد يكفر عنهم الكبائر واللمم من خطاياهم طيلة عقدين من الزمن.