-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إقصاءٌ مرٌّ لـ”الخُضر”

ياسين معلومي
  • 361
  • 0
إقصاءٌ مرٌّ لـ”الخُضر”

لم يكن إقصاء المنتخب الوطني الجزائري من الدور الـ32 لمونديال 2026 أمام سويسرا مجرد مغادرة طبيعية لمحفل عالمي، بل كان مواجهة صريحة مع حقيقة تكتيكية مُرّة: “الخضر” دفعوا ثمن المغامرة غير المحسوبة في أعلى مستويات كرة القدم، الناخبُ الوطني فلاديمير بيتكوفيتش دخل الدورة بفلسفةٍ هجومية جريئة، لكنه تناسى أن كؤوس العالم لا تُخاض بـ”الهروب إلى الأمام” على حساب الاتِّزان الدفاعي.

الصورةُ التي ظهر بها خط الدفاع طوال المباريات الأربع كشفت غياب المنظومة الجماعية؛ فتلقِّي تسعة أهداف كاملة ليس مجرد أخطاء فردية، بل هو دليلٌ على خلل فادح في التغطية وضغط غير متجانس في وسط الميدان، إذ اعتمد المدرِّب البوسني على إستراتيجية الضغط العالي من دون تأمين خط الظهر، ممَّا ترك مساحات شاسعة استغلتها منتخباتُ النمسا وسويسرا وقبلهما الأرجنتين بذكاء شديد عبر الكرات المرتدَّة السريعة والتحوُّلات العمودية التي ضربت العمق الجزائري في مقتل.

إلى جانب الشق الفني، أظهرت البطولة ضعفا واضحا في الجانب الذهني، وتحديدا في الاستجابة للصَّدمات؛ فتكرارُ سيناريو تلقي الأهداف المبكِّرة مع بدايات الأشواط يعكس غياب الإعداد النفسي وغياب القائد الذي يضبط الإيقاع داخل المستطيل الأخضر.

ورغم صدمة الإقصاء، فإنّ المطالبة برحيل بيتكوفيتش الآن هي عاطفةٌ متسرِّعة قد تعيد “الخُضر” إلى نقطة الصفر، الاستقرارُ الفني في الوقت الراهن ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لحماية المنتخب من الدخول في دوامة عدم الاستقرار التي عانينا منها سابقا، خاصة مع اقتراب استحقاقات حاسمة مثل تصفيات كأس إفريقيا 2027 التي ستبدأ في سبتمبر المقبل، أي بعد شهرين فقط من الآن.

مرارةُ الإقصاء والمؤاخذات التكتيكية، ينبغي ألا تُنسينا أنّ المدرِّبُ البوسني نجح في قيادة الجزائر إلى تجاوز دور المجموعات بعد الغياب عن المحفل العالمي في دورتي 2018 و2022. هذا الإنجاز، وإن كان دون الطموحات، يمثل حجر أساس للبناء عليه، ومتسعا من الوقت لإصلاح الخلل الدفاعي، وضخِّ دماء شابة تعوِّض الركائز المعتزلة مثل رياض محرز وغيره… المنتخباتُ القوية تُبنى بالاستمرارية وتصحيح الأخطاء داخل غرف مغلقة، لا بهدم المشروع عند أول عاصفة.

أمام بيتكوفيتش الآن ورشةُ عمل مصيرية تتطلب شجاعة كبيرة، لم يعد هناك متسعٌ للمجاملات أو الاعتماد على إرث الماضي؛ فالأولوية القصوى يجب أن تُمنح لإعادة بناء خط دفاعي صلب يعيد للمنتخب هيبتَه، وضخِّ دماء شابة وجديدة قادرة على تحمُّل الضغط البدني والنفسي العالي في القارة الإفريقية.

التأهُّلُ إلى الدور الثاني في المونديال يعدُّ خطوة إيجابية قياسا بالغياب عن الدورتين السابقتين، لكنه يظل مجرد حجر أساس لورشة طويلة، لأن بناء منتخب منافِس على لقب كأس إفريقيا 2027 ومستهدِف لبطاقة العبور نحو مونديال 2030 وتحقيق نتائج أفضل، يتطلب مرونة تكتيكية أعلى، وانسجاما أكبر بين اللاعبين، ومعالجة نقاط الخلل بواقعيةٍ تضع الانضباط الدفاعي في مقدِّمة الأولويات، لأن البروز العالمي يبدأ دائما من تأمين القواعد الخلفية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!