-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إلى “أستاذي” الذي علمني الصبر

الشروق أونلاين
  • 4911
  • 0
إلى “أستاذي” الذي علمني الصبر

أسمح لي أن أُخجل تواضعك بتسميتك “أستاذي”، وأنت طالما أخجلتنا بتواضعك العظيم.وكلمة “أستاذي” هنا ليست مجاملة أو مبالغة عاطفية كما يظن البعض، بقدر ما هي وصفٌ دقيق لعلاقة قامت بيننا منذ أن عرفتك شخصياً في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين، بعد أن سمعت عنك الكثير يوم كنت ممثلاً لثورة الجزائر الخالدة في المشرق العربي… بل أنه وصف لعلاقة كانت تتعمّق بيننا في كل محطة أو مؤتمر أو ملتقى نجتمع فيه معك، عربياً كان ذلك الاجتماع أو دولياً.

بعد أربع سنوات على رحيلك، لا نكتفي اليوم بترداد جملة مألوفة “لو كان سي مهري بيننا” فقط، بل نكملها بجملة رديفة “كيف كان سي مهري سيتصرف لو كان بيننا اليوم”.

في كل اجتماعاتنا ومؤتمراتنا ولقاءاتنا، لاسيّما حين يحتدم النقاش، ويتصاعد الخلاف، وتتباعد وجهات النظر، كان الجميع يتطلع إليك ليسمع منكم الكلمة الفصل في موضوع النقاش أو الخلاف… والجميع يعرف أن فيكم من التجرّد والنزاهة، ولكم من الخبرة والحكمة، ما يمكِّنكم من أن تخرجوا بالرأي الصائب الرصين المتزن الدقيق العميق الذي ينزل على نار الجدال الحامي برداً وسلاماً…

لم تكن أستاذاً لجيل من الوطنيين الجزائريين الذين حملت معهم همّ الثورة حتى الاستقلال، وحملت معهم هموم ما بعد الثورة بروح المسؤولية العالية والالتزام العميق بأهداف ثورة لم تميّز حين قامت بين حرية وطن وحرية مواطن، بل كنت أيضاً أستاذاً لأجيال من أبناء أمّتك العربية ممن عايشوك في دورات المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي– الإسلامي، والمؤتمر العربي العام خصوصاً أنه كان لك الفضل في انعقاد بعضها في الجزائر، بما كنت تتمتع به من احترام وثقة لدى القيادة في الجزائر، حتى بات الكثيرون يسألون اليوم: هل يمكن لنا أن نعقد دورة جديدة لمؤتمرنا القومي في الجزائر بعد رحيل عبد الحميد مهري؟…

 كنت أستاذاً لنا في نظافة العقل والقلب، وخصوصاً اللسان، فقلّما خرجت منك كلمةٌ بذيئة بحق إنسان آخر، مهما كانت درجة الاختلاف أو الخلاف معه، فالمسلم هو من “سلم الناس من لسانه”، دون أن ينتقص ذلك أبداً من جرأتك في إعلان المواقف أياً كان ثمن هذا الإعلان باهظاً.

وكنت أيضاً أستاذاً لآلاف من خريجي مخيمات الشباب القومي العربي، وقد نجحت في استضافة الجزائر لمخيمهم مرتين، كنت خلالها المواكب بدأب، والمتابع بدقة، والمُحاور بفرح، لشباب كنت دائماً تقول لي إن “الشيخوخة ليست في سنوات عمرك بقدر ما هي في مدى انفصالك عن الشباب وروحهم والذين يظن الشيوخ أمثالنا أنهم يعلّمونهم فإذ بنا نحن الذين نتعلم منهم”…

وكنتَ أيضاً أستاذاً لكل من عرفك، بالصبر الذي يمكِّنك من تحمّل أنواع المصاعب والأذى والضيق عند الآخرين، فقلّما رأيتك، وأنت الذي تغلي المشاعر في داخلك، منفعلاً إلاّ مرّة واحدة حين سمعت مسؤولاً لبنانياً يتحدث بعد حرب تموز/يوليو 2006، عن هزيمة لبنان أمام العدو الصهيوني معدّداً ما لحق بلبنان من خسائر بشرية ومادية، وقلت له بحزم وانفعال وغضب: “هذا يعني أن ثورة الجزائر قد هُزمت لأنها قدّمت أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، هزائم الأمم لا تقاس بخسائرها، وإنما بانكسار إرادات القيّمين على أمورها”…

وكنت أستاذاً لنا في إطلاق المبادرات الفكرية والسياسية، وحتى التنظيمية، بل في التجاوب مع كل مبادرة وطنية أو قومية أو إنسانية تقتنع بها، وتتوجه في سبيلها إلى كل أصقاع الأرض متجاوزاً كل العوائق والمخاطر…

وكنت أستاذاً لنا في نظافة العقل والقلب، وخصوصاً اللسان، فقلّما خرجت منك كلمةٌ بذيئة بحق إنسان آخر، مهما كانت درجة الاختلاف أو الخلاف معه، فالمسلم هو من “سلم الناس من لسانه”، دون أن ينتقص ذلك أبداً من جرأتك في إعلان المواقف أياً كان ثمن هذا الإعلان باهظاً.

وكنت أستاذاً لنا في الربط بين المبادئ والواقع، فلا تنسيك المبادئ تعقيدات الواقع، ولا تبعدك عوائق هذا الواقع عن طموحاتك المبدئية وما أكثرها… فمع هذا الربط لا تدخل مغامراتٍ طائشة، كما لا تغرق في مستنقعات التردي والتفريط باسم الواقعية.

وكنت أستاذاً لنا في تمسّكك بالعروبة كهوية ثقافية متحرّرة من كل أشكال التمييز الديني أو العرقي أو العنصري، وكحقيقة جيوسياسية تتشابك معها المشاعر والمصالح، بل كهوية تنطوي على مشروع نهوض لا تقوم قائمة لأمّتنا بدونه.

 كنت أستاذاً لنا في الربط بين المبادئ والواقع، فلا تنسيك المبادئ تعقيدات الواقع، ولا تبعدك عوائق هذا الواقع عن طموحاتك المبدئية وما أكثرها… فمع هذا الربط لا تدخل مغامراتٍ طائشة، كما لا تغرق في مستنقعات التردي والتفريط باسم الواقعية.

وكنت أستاذاً لنا في إنصاف الناس، فقد كنت تدعو دائماً إلى التعامل مع إيجابيات الآخرين، وليس فقط مع سلبياتهم، بل كنت تدعو إلى عدم الإفراط في الحديث عن إيجابيات البعض بما ينسيك سلبياته، وإلى عدم المبالغة في التركيز على سلبياته بما يؤدي إلى تجاهل الإيجابيات…

باختصار، كنت يا سي عبد الحميد، أستاذنا في الأمل تنتزعه من قلب لحظات اليأس القاتمة، ومعلّماً في التفاؤل تستخرج عناصره من وقائع التشاؤم المحيطة بنا…

هل كان ممكناً لأمثالك أن ينتصروا لثورة الجزائر العظيمة وبها، لولا الأمل الراسخ في القلوب والعقول؟ بل هل كان لأمثالك أن يتمسكوا بالأحلام الكبيرة، كالوحدة العربية والديمقراطية والتنمية والعدالة، لولا مخزون التفاؤل الذي كان يغذي روحك وعقلك ورؤاك؟

نعم كنت أستاذنا الذي نستذكره في كل محنةٍ أو مأزق أو أزمة… فإذا غاب الجسد، فمدرستك ما زالت باقية. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • صالح/الجزائر

    لو كان سي عبد الحميد مهري ، رحمه الله ، مازال بيننا حيا يرزق لقال مرة أخرى قولته المشهورة : " نحن في زمن الرداءة وللرداءة أهلها " .
    وَلَمَّا رَأَيْت الْجَهْل فِي الْنَّاس فَاشِيـا
    تُجَاهـلـت حـتـى قـيـل أَنــي جـاهـل

    فَوَاعْجَبَا ! كَم يَدَّعِي الْفَضْل نَاقـص
    وُوَأَسُّفا ! كَم يَظْهـر الَنْقـص فَاظـل

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    الاستاذ مهري -ربي يرحمو- مدرسة عريقة
    للأسف .................. ؟
    نهاية أسبوع مريحة
    شكرا

  • الجزائرية

    أتذكر موقفا للمرحوم مهري:حدث في إحدى الحصص التلفزيونية كانت تبث على المباشر بالتلفزيون الجزائري بمناسبة الإحتفال بذكرى الفاتح من نوفمبر54وشارك فيها المرحوم بوضياف عبرالساتل.فصرح المرحوم مهري بكلام عن بداية الثورة و لم ينتبه إلا والراحل بوضياف يجيبه ويصحح له بطريقة أحرجت كثيرا السيد مهري.فالتزم هذا الأخير الصمت في حياء،ولم يعلق على موقف بوضياف.ولما اغتيل الرئيس بوضياف عدّدالمرحوم مهري خصال بوضياف وقال لقد تميز بصراحة حادة ولم يكن يخاف في الحق لومة لائم.فرحم الله جميع رجالات الجزائر وغفر لهم آمين.